الشهر: أوت 2012

«شفيق»سائق سعودي بألف ريال

بعد الهزيمة المدوية التي اعترفت بها وزارة العمل في كرها وفرها مع القطاع الخاص في معركة الحد الأدنى للأجور للسعوديين عندما أعلنت أن أجر الثلاثة آلاف ريال كحد أدنى للسعوديين لا ينطبق على القطاع الخاص، وجدت نفسي مضطرا للاطمئنان على أدوات المعركة ومواقعها وهم الشباب السعودي العاملون في وظائف دنيا في الشركات كسائقين أو محصلي نقود (كاشير) أو في مطاعم الوجبات السريعة أو حراس أمن فوجدت أن حالتهم مزرية وأنهم لا زالوا على (الحد الأعلى) الذي قررته الشركات والمطاعم (2000 ريال وما دون).
هنا يطرح السؤال الطويل القصير العريض الرفيع الأبيض الأسود، (الأسمراني المبيض) الذي يسير في الشارع السعودي (وكل الناس بتعدي من جنبه) ولا أحد يجيب عليه تماماً مثل شفيق عبدربه (شفيق ياراجل)، سؤال كبير صغير مفاده أنه ما دام أن صندوق الموارد البشرية يدعم القطاع الخاص بنصف راتب السعودي فهل معنى هذا أن الشركة أو المطعم أو مؤسسة الحراسة الأمنية إنما تدفع على الموظف سائقا كان أو عاملا ألف ريال فقط؟! هذا هو الحال فعلا حسب آخر الأخبار المعلنة لدعم الصندوق لتوظيف السعوديين.
أما الأخبار الأخرى التي أشرت إليها في أكثر من مقال فهي أن الشركات والمؤسسات والمطاعم تجعل الموظف يوقع على عقد يشتمل على راتب أعلى من ذلك بكثير وتحصل على النصف وتدفع منه الألفين وتستفيد من الفائض أي أن الموظف مصدر ربح للقطاع الخاص تتاجر فيه.
غني عن القول إنه حتى لو أن الراتب ألفا ريال فعلا يعوض نصفها فإن تكلفة سائق سعودي فعليا هي ألف ريال وهذا ما تدفع الأسر السعودية ضعفه لسائق أجنبي، إنه القطاع (الماص) للوطن الذي أعيا كل جهود السعودة وأخذ ولم يعط قط!!.

وزير التجارة وشركات الألبان

أحدث معالي وزير التجارة والصناعة الدكتور توفيق الربيعة حراكا اجتماعيا أنعش العلاقة الحميمية بين المواطن والوزير بعد غياب لهذه العلاقة دام طويلا، ربما منذ تولي الدكتور غازي القصيبي (رحمه الله) لوزارة الصحة، فكل ما يريده المواطن حاليا هو مسؤول يشعر بمعاناته ويستجيب لها بأي تحرك فعلي ينصفه من مقصر أو يحميه من غش أو يرد له حقا، وهذا كاف لطمأنة المواطن أن المسؤول يعمل.
حراك وزير التجارة والصناعة أحدث هزة إيجابية وإن كانت خفيفة في العلاقة بين الوزارة والمواطن والوزارة والتاجر نجم عنها (تسونامي) قوي كشف للجميع صحة ما كنا نتحدث عنه من ممارسات الغش والجشع والتزييف واستغلال المستهلك من قبل التجار، والأهم من هذا كله أن الممارسات لا تقتصر على المؤسسات والدكاكين الصغيرة بل إن أخطرها يحدث من كبريات الشركات في شكل تزييف تاريخ الانتهاء إلى تاريخ مستقبلي أو بيع منتجات منتهية أو إعلانات مضللة وما خفي ولم يكشفه المستهلك ويبلغ عنه كان أعظم، وهذا يستدعي عملا جادا وعميقا لكشف ما يتعرض له المواطن من أشكال القصور بسبب غفلة أو استغفال أو سكوت الوزارات المعنية بالرقابة.
حراك توفيق الربيعة المبدئي بأضعف الإيمان كشف أن جمعية حماية المستهلك ولدت (منغولية) مشوهة فاسدة ولم تتعاف بل تعاني المضاعفات ذاتها، وكشف أن من يريد أن يعمل لا تحول دونه ودون تأدية أمانته المعوقات والأعذار، وكشف أن الناس تقدر أبسط الجهود وتكتشفها دون بهرجة وتمتن وتتعاون إذا وجدت المخلص، وكشف أن من (يهشتقون) للدعاء على مقصر مهمل لديهم الحس والامتنان لكي (يهشتقون) للدعاء للمخلص لايعنيهم الاسم ولا الوظيفة.
أما أعجب وأطرف ما كشفه حراك وزير التجارة فهو أن بعض شركات الألبان تقلد بعضها بعضا حتى في الغش!!.

الأمراض السبعة و «المريض أولا»

أن تحرم مواطنا مريضا من حقه في العلاج المجاني الذي منحه إياه الوطن، ودونه في النظام الأساسي للحكم، فهذا أمر يجري انتقاده بصفة يومية، وترتفع الأصوات يوما تلو يوم مطالبة بتصحيحه، وأصبح هو الشغل الشاغل لقضايا الإعلام مع وزارة الصحة، ليس الإعلام فقط، بل حتى الجهات الرقابية ممثلة بهيئة مكافحة الفساد والجهات الحقوقية ممثلة بهيئة حقوق الإنسان، والجهات الإدارية ممثلة بإمارات المناطق، والمحافظات أصبحت جميعا تشتكي من أداء وزارة الصحة في أمر توفير الرعاية الصحية بالشكل اللائق وبالشمولية والكفاية والكفاءة التي أرادها الوطن لأبنائه ولم تتحقق بعد.
هذا الأداء بررته وزارة الصحة بمبررات لم تعد مقبولة ولا واقعية بدأت بالميزانية التي أصبحت اليوم أعلى ميزانية تشهدها الوزارة، وعندما لم تعد الميزانية حجة جاء التبرير بتعثر المقاولين ثم بالأراضي إلى آخر أعذار متتالية لا تنته.
ذلك الأداء الذي أصبح شكوى عامة سأتركه للعموم وللحجج والأعذار، وما أود التركيز عليه أمر لا مجال للفرار منه بحجة. فثمة أوامر سامية صريحة وقرارات لمجلس الوزراء تعنى بضرورة قبول أي مواطن مريض بالأمراض السبعة فورا في أي مستشفى حكومي. في أي قطاع كان ودون الحاجة لأمر أو استثناء لحصوله على العلاج، ودون منة ولا مخاطبات بيروقراطية والأمراض السبعة لمن لا يعرفها هي فشل الأعضاء (كبد وكلى وخلافه)، والأمراض السرطانية، ومضاعفات مرض السكر، وأمراض القلب، ومرض الإيدز، والأمراض الاستقلابية أو المناعية الأخرى ،والعقم، فلماذا لم تقم وزارة الصحة بتوعية المرضى بهذا الحق؟!، لو كان (المريض أولا) حقا لفعلت!!، بل لماذا لم تنسق أمر علاج هؤلاء المرضى في القطاعات المختلفة تنفيذا للقرارات الصريحة، أو في الخارج على حساب الدولة.
إن نسبة كبيرة جدا من مطالبات العلاج والشكوى المتكررة في الصحف بحثا عن العلاج هي لمرضى بتلك الأمراض السبعة، لكن أحدا لم ينفذ ما أنعم به الوطن عليهم من ضرورة معالجتهم في أي مستشفى لا لشيء إلا لأن (الحجج أولا).

إنذارات ونحن لا نفيق

رحمنا الله بعدد من الإنذارات في شأن قصور الخدمات كان جدير بنا الاستفادة منها، لكننا أبدا لا نستفيد!!، غرق أنفاق الرياض خاصة في السويدي و شرق الرياض لم نستفد منه للاحتياط من غرق جدة وغرق جدة الأول لم نتعلم منه لنتقي الثاني، وانقطاع الكهرباء هذا الصيف عندما اشتد الحر لدرجة غير مسبوقة هو إنذار بعدم وجود خطة لأزمات الكهرباء في الحالات الأخطر، وعدم استيعاب المستشفيات للمرضى بأعداد دورية ومعدلات يومية عادية، وعدم استيعاب غرف الطوارئ للإصابات اليومية بمعدلات طبيعية معقولة هو إنذار لعدم الاستعداد لأعداد ومعدلات أكثر في حالات الأزمات، وعدم وجود أدنى استعداد أو خطة لمواجهة الأزمات ويفترض بنا أن نستفيد من هذا القصور الصحي الحالي لمواجهة الكوارث، أيضا أزمتنا الدائمة مع شح الماء في زمن الرخاء يفترض بنا أن نستفيد منه للاستعداد وتلافي أزمات الشدة مع شح المياه لكننا لانفعل، بل بدلا من الاعتراف والاستعداد نحن ننكر ونكابر!!.
نفس الشيء يذكر عن عدم القدرة على السيطرة على غلاء الأسعار والغش وإخفاء السلع وتجفيف منابعها في السوق، وبطء التعاطي مع حوادث السرقة والخلافات الحقوقية والتعامل الفوري مع المخالفين، ورد الحقوق. كل جوانب القصور تلك التي تحدث اليوم في وقت الرخاء هي إنذارات لعدم الاستعداد لحدوثها في وقت الأزمات لا سمح الله.
أقل ما يجدر بنا فعله اليوم هو القضاء على كل أشكال القصور عن طريق تشخيص أسبابها والمتسبب فيها وعلاج الأسباب والتخلص من المقصر غير المناسب للمكان المناسب ثم الاستفادة من إنذارات القصور في زمن الرخاء لتلافيها في الشدة، والشدة بالمناسبة ليس شرطا أن تكون أزمة عامة اقتصادية أو سياسية أو أمنية، فالشدة قد تكون جزئية ككارثة صحية أو حادث كثير الضحايا أو أزمة كهرباء حقيقية أو شح ماء عظيم، والمهم أن نستعد للشدة بالاستفادة من أزمات الرخاء أدام الله الرخاء.

خدعة برفسور الطب

المتاجرة بصحة الإنسان وعلاجه وصلت عندنا حدا لم تصله في دول أقل منا تقدما بمراحل، ذلك أن ترك الحبل على الغارب لكل من أراد استغلال حاجة الإنسان للحصول على العلاج بمقابل في ظل قصور الخدمات الصحية الحكومية، وصعوبة الحصول عليها، واستحالة الحصول على موعد لعملية جراحية، أو فحص لدى طبيب مختص، أو الحصول على سرير شاغر في مستشفى حكومي. كل هذه الظروف كونت وسطا غير صحي، ومناسب جدا لاستغلال المريض تجاريا أبشع استغلال.
الرقابة هي أضعف الإيمان، وحماية حقوق المريض من الاستغلال التجاري الطبي هي أبسط مايمكن عمله، وغياب هذه العناصر مع غياب الخدمة دليل واضح أن المشكلة لدينا ليست قصورا ماليا أو تقصيرا حكوميا في تقديم الرعاية الصحية. إنما بكل تأكيد هي سوء إدارة وغياب فكر إداري صحي وتحيز من ممتهن لزملاء مهنة.
الأمثلة كثيرة واشتكى الناس منها في أكثر من محفل، مثل استغلال بعض مستشفيات القطاع الخاص، وارتفاع تكلفة العلاج فيها، وضعف أدائها مقابل تكلفة فحص مبدئي عالية جدا واستفادتها من الطبيب الحكومي أثناء وقت عمله الذي تدفع الدولة أجره باهظا والتغاضي عن أخطائها الطبية الشنيعة، وعبثها في فواتير العلاج.
المثال الذي لايخطر على بال ولم يحدث في أكثر دول العالم تخلفا هو ترك الحبل على الغارب لإعلان الطبيب والمستشفى الخاص عن نفسه بطرق تدليس واضحة، فإعلان الطبيب عن نفسه ممنوع عالميا. على كل حال فكيف إذا كان على شكل خدعة مكشوفة، فمثلا لقب برفسور هو لقب علمي أكاديمي صرف يمثل درجة علمية لا علاقة لها بالمهنة ولا يفترض أن يستخدم إلا في الأوراق البحثية العلمية أو شأن أكاديمي، وبالمناسبة لاعلاقة له إطلاقا في كفاءة وقدرات ومهارة الطبيب فكم من طبيب لم يصل لدرجة استاذ أمهر ألف مرة من برفسور، وكم من أستاذ طب أقل قدرات مهنية من طلابه!!
ومع ذلك يخدع المريض بإعلانات وأخبار عن برفسور جراحة العظام وبرفسور طب النساء والولادة وبرفسور الطب الرياضي وبرفسور جراحة العيون وكل هذا التدليس يتم عيانا بيانا مكشوفا واضحا. ويدفع ثمنه المريض المخدوع غير المحمي!!.