الشهر: سبتمبر 2012

تالا ضحية ذاكرتنا المهترئة

جعل الله تالا شفيعا لوالديها وثبتهما وجميع أخواتها، خصوصا أختها التي واجهت الصدمة الأولى وتتلقى العلاج من هولها.
تالا ليست الأولى التي تقتل على يد خادمة إندونيسية بنفس الطريقة (فصل الرأس عن الجسد)، ولست هنا لأذكر والدي وذوي الضحايا السابقين بمصابهم الجلل، الذي هو مصابنا العظيم، لكن من واجبي التذكير أن ذاكرتنا المهترئة هي أحد أسباب ما يحدث في مجتمعنا من فواجع قلما نسمع عنها في مجتمع آخر.
مشكلة ذاكرتنا أنها مجرد وعاء عاطفي يتفاعل ليوم أو يومين يفرغ خلالهما كم من ردود الفعل الوقتية كفيل بتفريغ إناء الذاكرة من محتواه دون أن نتخذ أي إجراء رسمي ذي قيمة لتلافي حدوث المزيد.
لا أحب، ولا أؤيد تصنيف الناس بناء على جواز السفر تلافيا للعنصرية المقيتة، لكن ثمة شيء اسمه البحث والإحصائيات والصفات السائدة ذات العلاقة بالتوزيع الجغرافي، ولا يمكن أن نتجاهلها لمجرد تلافي العنصرية أو التصنيف الجغرافي، فحتى منظمة الصحة العالمية تصدر الإحصاءات وتوزع أرقام شيوع الأمراض على أساس جغرافي.
نحن من حقنا أن نصنف العمالة التي ترد إلينا بناء على سلوك الغالبية، وعلى أساس بحث علمي وإحصاءات دقيقة، وننطلق منه، لكننا لم نفعل؛ لأننا لا نعتمد الإحصاء والتخطيط وإجراء الدراسات ونصدر بناء عليها القرارات، وذاكرتنا ضعيفة جدا وعاطفية ووقتية!!.
هل نملك الجرأة لوقف استقدام العاملات المنزليات من إندونيسيا بعد تكرر حوادث قتل الأطفال، سواء بالسم أو الحرق أو فصل الرأس؟! لا أعتقد، بدليل أننا وبتنفيذ حد الله في إندونيسية سابقا واتخاذ إندونيسيا موقفا من إرسال العمالة لنا تحولنا من الضحية إلى من ينقل البشائر بحل موضوع الاستقدام من إندونيسيا، حتى على مستوى إعلامي.
لقد أدى نحر تالا إلى إصابة أسرتها بالهستيريا والاكتئاب وقتل رب أسرة أخرى وإصابة أسرته بذات الوضع النفسي، وفي الوقت ذاته، فجع المجتمع أجمع ببشاعة الجريمة، ولا شك أن كل من في منزله خادمة إندونيسية ــ تحديدا ــ مذعور ولا يأمن على أطفاله، ومع ذلك لن نتخذ خطوة فاعلة، وسوف ننسى خلال أيام إلى أن تذكرنا فاجعة جديدة!!.

تصريحات محبطة

تصريحات كثير من المسؤولين أصبحت تخضع لظروف المتلقي ومدى استعداده لقبولها والحالة التي يعيشها الناس لا الحالة التي يفترض أن يكون عليها الإنجاز، فعندما كان المواطن على استعداد نفسي لتصديق الوعود، كانت الوعود الرنانة هي سمة التصريحات وأصبحت الوعود تتراوح بين وعود ممكنة التحقيق وإن كانت مضخمة ولا تتحقق ووعود أشبه بالخيال، تجعل بعض الناس يصدق ويعيش في عالم من الأحلام.
بعد أن استشعر الناس عدم تحقق بعض الوعود، وبدأ الشباب في رصد تواريخ إصدار الوعد ومقارنتها بسنين مرت ولم يتحقق منه شيء، وأصبحت محركات البحث تستحضر الوعود موثقة بالتصريح صوتا وصورة وكتابة وتقارنها بتاريخ اليوم المحدد الذي مضى ولم يتحقق شيء، أصبح لهؤلاء المسؤولين، وزراء ومحافظين ومديري عموم، استراتيجية أخرى هي استراتيجية الصدمة الموجعة المحبطة عن طريق زرع اليأس من تحقق الإنجاز وهذا جد خطير.
تصريح وزير الزراعة، بأن ذوي الدخل المتوسط لن يتمكنوا من أكل اللحوم الحمراء، مثال لكنه ليس المثال الوحيد من أمثلة تصاريح الصدمة المحبطة، فبعد سرير لكل مواطن أصبح السرير شبه مستحيل وأصبح عدم توفر الأراضي هو العذر الجديد لزرع اليأس من أي تطوير صحي، ونفس الشيء مع تصريحات استحالة حل مشكلة البطالة واستحالة تحسن ظروف التعليم والخلاص من المباني المستأجرة، واستحالة ضبط أسعار السلع وحماية المستهلك وإيجاد المبررات للغلاء الفاحش.
أسلوب الوعود كان سيئا لأنه يرتبط بالمصداقية من عدمها، أما أسلوب الاستحالة المحبطة فينطوي على عدم رغبة في العمل بجدية أو عدم القدرة على العمل وإيجاد الحلول وبالتالي زرع يأس خطير.
لو فعل غازي القصيبي ما يفعلونه اليوم لما وحد شركات الكهرباء ولا دعم توطين الصناعات ولا صحح مفاهيم الصحة ولا وفر المياه ولا صارع معارضي السعودة حتى مات..

أسد على المهندسين

من المبكر أن نتحدث عما يحدث بين وزارة التجارة وهيئة المهندسين في ما يخص رئيس الهيئة واستقالته ومن ثم تهديد الوزارة بملاحقته وقبل ذلك فرض الأمين العام على الهيئة وغير ذلك من مواضيع الخلاف التي تحتاج إلى تقص وممارسة شفافية تكفي لإيضاح كل ما هو غامض ووضع المهندسين في الصورة الواضحة، فهذه هيئتهم ومرجعيتهم المهنية ومؤسسة مجتمع مدني تهمهم وتهمنا لأنهم يعنون لنا ركيزة مشروع وبناء ومراقبة وسلامة.
الأمر الذي ليس من المبكر طرحه هو مدى أحقية الوزارة التي تتبع لها الجمعية المهنية المنتخبة أو الهيئة المهنية المنتخبة في التدخل في استقلالية قرار المجلس المنتخب وتفاصيل عمل مؤسسة المجتمع المدني هذه، وهل ثمة حدود يجب أن لا تتجاوزها الوزارة «أي وزارة» في التدخل في عمل مؤسسة المجتمع المدني؟! وهل ثمة خطوط حمراء يجب أن لا تتخطاها الوزارة المعنية؟!، أم أن الجمعية أو الهيئة فرس تلعب وحبل رسنها في يد الوزارة؟!.
الذي أعرفه أن وزارة التعليم العالي «مثلا» ما هي إلا مظلة تنطوي تحتها الجمعيات العلمية والمهنية مثل جمعية الصيادلة وجمعية أطباء العيون وأن وزارة التجارة والصناعة هي مجرد مظلة لهيئة المهندسين، وبصرف النظر عن كونها المظلة المناسبة أو الأقرب لعمل المهندسين من عدمه، إلا أن تدخلها في عمل وتشكيل مجلس منتخب يعتبر سابقة غير مبررة.
أنتم وأنا تهمنا مقارنة المواقف والمواقف المزدوجة والكيل بمكيالين، ولذا فإنني أتساءل عن الفرق بين رفض وزارة التجارة القاطع التدخل في المشكلة المزمنة بين جمعية حماية المستهلك ورئيسها السابق والحالي ومجلس إدارتها بحجة استقلالية مجلس إدارة الجمعية، وبين التدخل في هيئة المهندسين؟! وما هي مسوغات التدخل وهل المشاكل الشخصية لها دور كمبرر؟!، الإجابة عن هذا السؤال حول تباين موقف الوزارة من الجمعية والهيئة كفيل بإيضاح جزء من الحقيقة.

كلنا ابن الحبيب

دون مبالغة وحسب تقارير المرور، فإن عشرات البشر يذهبون يوميا ضحية استهتار شاب يستعرض ويمارس اللعب واللهو غير البريء بسيارته، الطفل عبدالإله الحبيب واحد من الأمثلة اشتهرت مصيبته ومصيبة والديه «أعانهما الله وثبتهما وصبرهما»، لأن الإعلام الجديد تابعه وتعاطف معه بحكم شهرة والده، لكن غيره كثر أعانهم الله وثبت أقرباءهم ورحم من مات منهم، والسؤال العريض هو ماذا فعل المرور والجهات التشريعية لمنع هذا الظلم وإيقاف ذلك الاستهتار؟!.
منذ قرابة عشرين سنة تحدث المقدم فهد البشر «كان مقدما آنذاك» حديثا جريئا غير مسبوق في زمنه عن قصور جهاز المرور والمشاكل المترتبة على عدم قدرته القيام بمسؤولياته نحو الحد من الحوادث وكبح الاستهتار، كان ذلك في برنامج «دعوة للحوار» الذي قدمه الدكتور سعود المصيبيح في القناة السعودية الأولى ثم أصبح فهد البشر مديرا للمرور بعد ذلك بفترة ولم يستطع عمل شيء، ومنذ ذلك الوقت وقبله وحتى يومنا هذا لا يزال المرور عاجزا عن كبح جماح المستهترين، مما يدل أن المشكلة ليست في حماس مدير مرور إنما في سن عقوبات وتشريعات رادعة لا تقبل التدخل ولا الشفاعة ولا التراجع ولا حتى الرحمة!!.
قلنا كثيرا ورددنا أن «ساهر» يعاقب المسرع لكنه لا يرصد المستهتر بأمر الانحراف المفاجئ أو عكس الاتجاه أو التجاوز الخاطئ ولا يحد من التفحيط، وهذه المخالفات القاتلة تحتاج إلى تكثيف العمل الميداني البشري، الذي ركن إلى ساهر فنام!!، وتحتاج إلى عقوبات رادعة تتناسب مع القتل باستهتار، وتحتاج إلى خلق هيبة لرخصة القيادة والسؤال عنها وتفعيلها كأداة تخول الشاب قيادة المركبة وسحبها عند تكرار المخالفة، وعندما تسحب «وهي ذات قيمة بالسؤال عنها» فإن حرمان الشاب من القيادة كف لأذاه، هذا خلاف سجنه وتغريمه وتطبيق شرع الله فيه إذا استهتر في الأرواح، ابن الحبيب مثال وكلنا قد نلاقي مصيره ما لم يتحقق الردع.
أكثر من ثلاثين سنة لم يسألني جندي مرور عن رخصة القيادة وكنت أتمنى أن يفعل.

التجارة تجازف

مجرد الموافقة على ترخيص مختبرات تجارية مخولة بإصدار شهادة تحليل لمنتج استهلاكي مستورد أو مصنع داخليا هي في حد ذاتها مجازفة، في ظل عدم توفر أرضية صلبة لمراقبة هذه المختبرات والتدقيق على نتائج تحليلها والإشراف على إجراءاتها عن كثب وضمان حياديتها.
هذا ما قلناه، وما زلنا نقوله عن كل مختبرات التحليل التي بدأت عملية الترخيص لها منذ مدة؛ تمهيدا للاعتماد عليها في تحليل الأدوية والأغذية والمواد الأخرى التي تخضع لمواصفات ومقاييس وشروط سلامة تعرض صحة وسلامة وحقوق وأموال المستهلك للمجازفة.
الذي استجد الآن أكثر خطورة ومجازفة، فحسب ما صرح به مصدر مسؤول في وزارة الصناعة والتجارة لـ«عكاظ» أول أمس السبت، فإن الوزارة لديها توجه لإلغاء كافة المختبرات الحكومية والاعتماد على المختبرات الخاصة، وهذه الخطوة تعد مبكرة جدا لعدم توافر إمكانية مراقبة أداء وأمانة هذه المختبرات، وفي مثل هذه الأمور، فإن الثقة العمياء تقود إلى حفرة، فيفترض على أقل تقدير أن تتولى المختبرات الحكومية إعادة تحليل عينات عشوائية لما تم تحليله في المختبرات التجارية، واتخاذ إجراءات رادعة في حال اكتشفت نتائج مخالفة للتحليل السليم، ليكون ذلك رادعا لأي نوايا تساهل.
الجانب الذي لا يقل خطورة هو تركيز المصدر على موضوع معاقبة المختبر التجاري وتغريمه في حالة اشتكى التاجر من النتائج وثبت صحة شكواه، بينما لم يتطرق لأمر التساهل مع ما قد يجاز ويثبت بعد ذلك فشله، وهذا قد يجعل صاحب المختبر الخاص (وهو تاجر في عمله) يتلافى الشكوى من التاجر ولا يتلافى شكوى المستهلك الذي لا ممثل له يشتكي.
وأكد المصدر وجود خلل وعدم التزام من المختبرات الخاصة ببعض بنود المادة التاسعة من نظام المختبرات، مهددا بعقوبات تصل إلى 20 ألف ريال وسحب التراخيص طبقا للأنظمة، وعدم الالتزام هذا منذ البداية يؤكد قلقنا من تلاعب مختبرات القطاع الخاص، فإذا كانت هذه هي الحال قبل إلغاء الحكومي، فكيف ستكون عندما ينفرد القطاع الخاص بتواجد محرج يجعل من الصعب سحب تراخيص المخالفين، إذا أصبحت المخالفة هي السائدة في غياب الرقيب المتمكن.

بماذا نحتفل؟!

لكي نحتفل باليوم الوطني يجب أن نكون قد منحنا الوطن خلال عامه المنصرم هدية الإحتفال، قلت سابقا ومنذ خمس سنوات لكي نقول أعاده الله علينا يجب أن نقولها هكذا:

أعاده الله على الجميع ووطننا يصعد في سلم المجد، ويمارس مزيدا من الإصلاح والإنصاف والشفافية والعدل.
أعاده الله علينا وقد استشعر عدد أكبر من المسؤولين حجم مسؤولياتهم نحو أبناء هذا الوطن المخلصين، المحبين، الصابرين، فعملوا من أجلهم وليس من أجل أنفسهم، ولإسعاد الوطن لا (لسعادتهم)، ولعلو هامة المواطن وليس فقط (معاليهم).

أعاده الله علينا وقد انزاحت غمة الهموم، وأشرقت شمس التفاؤل، فانخفضت التكاليف والأسعار، وخف جشع التجار، وعادت الأسهم للاخضرار، وعطف الجار على الجار، وعامل الموظف مراجعيه معاملة الأحرار، ووظف المديرُ العاطلَ وكأنه قريب أو من الأصهار، وأعاد الله المعلمات من متاهات الصحاري والقفار .

أعاده الله علينا وقد اطمأنت النفوس، وقل اللصوص، وترك زميل العمل صفة الواشي والجاسوس، وما بقي مدير في مكتبه عن المراجعين محبوس.

أعاده الله عليكم وعلينا أعواما عديدة وأزمنة مديدة، وقد قبلت المستشفيات دخول الحالات الشديدة ولم يبق في الدخل المحدود من هو على الحديدة، ولا أعلن عن محتاج في جريدة .

أعاده الله علينا وقد قلت الحوادث وأعددنا خطة وطنية للكوارث، وبيع محصول كل مزارع وحارث.

أعاده الله علينا وقد أوقف دخول المسرطنات، وتوقف نفوق الإبل ووفيات المعلمات، وقل عدد من بالأخطاء الطبية مات، وخفضت تعرفة الكهرباء ورسوم الاتصالات، وصدقت خطوطنا الجوية في مواعيد إقلاع الرحلات.

بوقس والعريفي ومجاملة المحاور

لاشك أن موقف جامعة الملك عبدالعزيز من طلب طالب مبدع مكافح قاهر للمستحيل وللإعاقة تخرج منها بتميز وامتياز، برفضها قبوله معيدا فيها أمر مشين وينم عن عقليات أقل ما يقال عنها أنها غير مستنيرة ومتخلفة، وقبول الجامعة الأمريكية في دبي لذات الطلب بعد ماحدث من شوشرة وتناول إعلامي لا يمكن الحكم عليه وعلى نواياه إلا بالشق عن قلب من اتخذه، لكن الظاهر لنا وحسب ما قاله الأستاذ عمار بوقس نفسه في حوار مع إذاعة (يو إف ام) استمعت له مؤخرا، قال: إن جامعة الملك عبد العزيز حكموا على جسدي وتركوا عقلي، أما في دبي فقد حكموا على عقلي دون النظر إلى جسدي!!.
مذيعة (يو إف ام) التي لا يحضرني اسمها كانت دقيقة جدا ومحايدة في حوارها مع عمار فقد سألته عن صحة رفض الدكتور محمد العريفي ظهور عمار في برنامجه رغم وصول عمار بوقس للاستديو بعد رؤية العريفي له، فأجاب المبدع بوقس إجابة حاول فيها التلطف مع العريفي فقال: (لم يكن يعرف مسبقا من المعدين أنهم قد دعوني!!) قالت: هل قابلك أم لا ؟!، فرد: قابلني ورآني، قالت: أقصد قابلك أي استضافك وحاورك في البرنامج؟!، قال: لا، فحينما شاهدني قال للمعدين: اعتذروا منه ورفض ظهوري معه في البرنامج!!.
في المقابل وعلى طرف آخر استمعت وشاهدت حوار عبدالله المديفر في برنامجه (لقاء الجمعة) مع العريفي وسأله عن أشياء كثيرة ثم قال: نتحول الآن إلى موضوع أخذ بعدا إعلاميا هو موضوع عمار بوقس، عندها (انتقد) العريفي عدم قبول جامعة الملك عبدالعزيز لبوقس وحول الحديث عن قبول الإعلاميين في التلفزيون وغيره، فسأله قائلا: يتحدثون عن موقف أو مشكلة حدثت بينك وبين عمار كثر الحديث عنها هل العلاقة سليمة؟!، فأجاب: قرأت ما كتب في تويتر وسمعت بها ولكن لم يقع بيني وبينه شيء وعمار أعرفه منذ كان ناقدا رياضيا…إلخ، فسأله: أي تنفي كل الكلام؟، قال: نعم..
كان السؤال الذي يفترض أن يكون محايدا وواضحا دون مجاملة أو ليونة هو: هل حضر لبرنامجك ورفضته؟، وإذا كان الجواب نعم فلماذا ؟!، خصوصا أن العريفي انتقد الجامعة التي رفضته!!.

تحدي وزير

في برنامج (ياهلا) على روتانا خليجية، والذي تناول مساءلة وزير الصحة في مجلس الشورى أمس الأول، قال عضو مجلس الشورى عبدالوهاب آل مجثل إننا حينما واجهنا وزير الصحة بالسؤال عن أسباب إلغائه لمشروع التأمين الصحي الذي بدأه الوزير السابق حمد المانع، رد الوزير بالقول «أتحدى من يحضر لي حرفا واحدا يثبت أنني ألغيت التأمين الصحي!!» انتهى.
يعلم الجميع أن التجميد وحتى الإلغاء عندنا لا يحتاج إلى حرف!!، كل ما يحتاج هو وضع الملف المرغوب تجميده أو إلغاؤه في (درج) وإغلاق ذلك الدرج، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن جواب معالي الوزير لسؤال الشورى اختلف عن جوابه لذات السؤال في حوار المسؤولية المشتركة في صحيفة (عكاظ)، فقد ذكر أن السبب هو فشل التأمين في أمريكا وكندا، وأعاد ذات الجواب في برنامج (الثامنة مع داود) وعندها كتبت في مقال بعنوان (بلسم وأصابع الندم) في هذه الصحيفة (عكاظ) يرد على ما ذكر بأن نظام التأمين (بلسم) لا علاقة له بالتجربة الأمريكية والكندية إنما هو نظام ماليزي ياباني ألماني الهوى مفصل ليناسب السعودية، وهكذا قال الدكتور رضا خليل مهندس المشروع في برنامج (ياهلا).
هذا الجواب (غير الشافي) المعتمد على التحدي بإحضار ما يثبت إلغاء مشروع سابق، يقودنا إلى إسداء نصيحة لأعضاء مجلس الشورى بأن يغيروا طريقة وصيغة السؤال عن المشاريع المتوقفة أو المجمدة أو الملغاة بحيث يكون السؤال (أين المشروع الفلاني؟!) بدلا من لماذا تم إلغاء المشروع؟!.
مشروع التأمين الصحي كان موجودا وعلى وشك التطبيق بل شرع في تطبيقه على الأجانب ونجح ثم طبق جزئيا على السعوديين من موظفي الشركات والمؤسسات ونجح، وهم الآن أسعد حظا من غيرهم ممن لم يؤمن عليهم فهم يعالجون ببطاقة التأمين مجانا في أي مستشفى ويجدون السرير والدواء والموعد القريب، ومرحلة التأمين الأخيرة كانت (بلسم) الذي يشمل الجميع، الغني والفقير، والموظف والعاطل، والسؤال الدقيق المحرج هو أين بلسم؟!.
المسح لا يحتاج قلما ولا حرفا بل يحتاج (محاية) أو طامسا!!.

اشتكى ونفذ العقوبة !!

عندما نكتب عن سلوك خاطئ من عضو مجلس الشورى الذي استضافه سوق عكاظ وأحسن ضيافته فإننا إنما نحاول معالجة السلوك المشين وحماية الموظف المسكين، وليس بالضرورة أن نعالج الحالة النفسية للعضو بعينه فهذا ليس شأننا، كما أنه ليس من المهم معرفة اسم العضو كما طالبني بعض متابعي «تويتر»، فالتشهير هنا لا يعالج القضية، لكن طرحها بصورة عامة قد يكون سبيلا لكشف ما يعانيه شباب يعملون بكل جهد واجتهاد لإنجاح مناسبات هامة يعمل معظمهم فيها بشكل تطوعي، ويتعاملون مع شرائح اجتماعية مختلفة الطباع والسلوكيات قد تصل حد الغطرسة وهؤلاء يستحقون منا الحماية والشكر والامتنان.
كل ما فعله ذلك الشاب الخلوق أنه أجلس ذلك العضو الضيف ثم أجلس زميله في مكان ظنه شاغرا، وقال له بأن صاحبه لن يحضر وأن توزيع الأسماء تغير ولا بأس من الجلوس، وكان ثمة كراسي شاغرة ولم تحدث أي مشكلة تستدعي الغضب، لكن عضو الشورى هذا أناب نفسه عن زميله «الذي لم يشتك ولم يتضايق مطلقا»، ودعا الشاب ووجه له تلك الشتائم المخجلة التي قابلها الشاب بصبر عجيب واعتذار مؤدب وواصل عمله، ثم ناداه عضو الشورى هذا وأعاد ذات العبارة أمام الجميع «أنت قليل أدب ولم تتربى»، مرددا بأنه سيبعث برسالة جوال للدكتور سعد مارق يشتكيه، ثم سأل الشاب عن اسمه فأعطاه الاسم كاملا وفعلا أرسل الرسالة للأمين العام د. سعد مارق ولم يكتف بالشكوى بل أعاد ذات العبارات الجارحة!!.
الذي أريد أن أصل إليه اليوم هو أنه إذا كان عضو في الشورى مرتبط بالحقوق الإنسانية ويمثل المواطن في حقوقه ومطالباته يتجاوز حدود الشكوى، إلى تنفيذ عقوبة الشتم المهينة في «مدرج» مناسبة ثقافية عظيمة كسوق عكاظ، فما الذي نتوقعه ممن يجلس في مدرج ملعب كرة القدم؟!.
أريد أن أصل أيضا إلى أنه وما دام الحال كذلك فإن شباب تنظيم الاحتفالات سواء منهم الموظف أو المتطوع في حاجة إلى حماية ورد اعتبار، فهم يواجهون نفسيات متباينة وعجيبة.

مكافحة فساد التصريحات

استفزاز الوعود التي لا تتحقق من قبل بعض المسؤولين أدى بالشاب السعودي ثامر المحيميد إلى أن ينشئ موقعا إلكترونيا يرصد ويتابع وعود المسؤولين التي لم تتحقق.
التصريحات ذات الطابع غير الواقعي وغير الصادق أحيانا وغير المعقول ولا القابل للتصديق أحيانا كثيرة لا تقل استفزازا عن الوعود الكاذبة، بل هي أكثر استفزازا؛ لأنها لا تحتاج إلى انتظار موعد ليحدث الاستفزاز المطلوب، فهي تستثيرك في حينها، وتشعرك بالقلق من تصديقها والاعتماد عليها في اتخاذ أو عدم اتخاذ قرار وطني هام.
لا أظن أحدا ينسى التخدير الذي أحدثه تصريح مسؤول (غير مسؤول) عن مخزون الماء الذي يعادل جريان النيل ملايين السنين، ثم صدمنا بالعطش المفاجئ، لذا فإنني أقترح أن يزامن عمل هيئة مكافحة الفساد ــ أعانها الله ــ إنشاء لجنة علمية عليا متخصصة مهمتها التمحيص العلمي لمصداقية التصريحات وتقييمها وتقويمها وإصدار حكم سريع على معقوليتها ومصداقيتها؛ لمنع ما قد تحدثه من اعتماد خاطئ على ما جاء فيها على مستوى الخطط الوطنية والآمال العريضة والقرارات، وأيضا لمنع ما تحدثه من استفزاز للمتلقي، فهو لا ينقصه الاستفزاز.
مثلا، التصريحات المتكررة لشركة ووزارة الكهرباء بأن معدل فواتير استهلاك 50 % من الأفراد لا يزيد على 100 ريال شهريا، تصريح تكرر كثيرا، ربما تمهيدا لرفع سعر التعرفة، لا أعلم، لكن من السهل إجراء دراسة محايدة تثبت أن فواتير سكان أحياء الفقراء وذوي الدخل المحدود لا تقل شهريا عن 500 ريال كمعدل.
أيضا التصريح بأن الأخطاء الطبية (التي أصبحت لدينا تنافس الحوادث في معدلات القتل اليومي) لا تختلف عن الأخطاء الطبية في أمريكا من حيث الرقم!! يمكن بسهولة كشف زيفها بمعرفة كم يسجل من الأخطاء رسميا في أمريكا؟ وكم يسجل رسميا لدينا؟! وما هو التعريف في البلدين؟! لتكتشف حجم المغالطة، ففي أمريكا يسجل حتى رعاف الأنف الناجم عن خطأ طبي، وعندنا لا يسجل إلا الموت والإعاقة!!.