اليوم: 16 مارس، 2022

تفاخر المشاهير يحطم المجتمع

أمر خطير جدا ما يمارسه ويمارسنه بعض مشاهير التواصل الاجتماعي من تفاخر بثرواتهم الطائلة وبما يبذرونه من صرف مبالغ فيه عبر رسائلهم في مواقع التواصل التي أشهرتهم فجأة فأصبح يطلق عليهم وعليهن (مشاهير الفلس)، فقد أثبت بعضهم أنهم اشتهروا خطأ وأنهم، رغم الثروات الهائلة التي هبطت فجأة، إلا أنهم مفلسون فكريا مما انعكس على تصرفهم بأموالهم بما يهدد المجتمع بأكمله بعدة صور من الإحباط و فقدان الطموح وانتشار السطحية وضحالة الأهداف.

أعني هنا بعض من مشاهير الفلس ممن يتفاخرون عبر السناب أو الانستجرام وتويتر وغيرها بما يشترونه من هدايا لأزواجهم أو أطفالهم أو أقاربهم من سيارات مليونية وحقائب بمئات الآلاف وأساور من ذهب وألماس وأحجار كريمة، وينشرون ذلك في مواقعهم مع صور ومقاطع لحياتهم الخاصة تصور ذلك البذخ والإسراف ليطلع عليه أناس لا يملكون ما يكفيهم لمواجهة ظروف العيش ولا يستطيعون توفير ما يسعد أطفالهم الذين يرون أثر النعمة على طفل أنجبته مشهورة مفلسة ذهنيا صدمت فجأة بشهرة ثم ثروة.

تقول الجوهرة الفهيد الكاتبة والناشطة في مجال التطوع للعمل الخيري، أن سلوك التفاخر هذا جعل بعض الشباب يتساءلون: لماذا أجتهد وأدرس لأتخرج مهندسا وأحصل على أجر وأبني مستقبلا بعد كفاح لعشرات السنين، إذا كان شاب أو شابة في مثل سني يمكنه وعبر نشر يوميات وأسرار أسرته يمكنه أن يشتهر ويحقق ثروة في غضون أشهر أو ربما أيام قليلة (انتهى).

تلك كانت صورة لقتل الطموح وخلق الإحباط، فكيف سنخلق مجتمعا طموحا منتجا فيه المهندس والطبيب والصيدلي والباحث والمحاسب والقانوني والطيار والعسكري، إذا انتشر لدى شبابنا مثل هذا التفكير المحبط؟!.

لا أستبعد أيضا أن زيادة نسب حالات الطلاق ناتج عن محاولة زوجة تقليد (مشاهير الفلس) في شراء حقيبة يد من ماركة غالية الثمن وزوجها لا يستطيع تحمل ذلك التقليد الأعمى، ولا يستبعد أن كثيرا من المشكلات الأسرية بين أب محدود الدخل وأبنائه أو بناته ناتج عن مطالبهم مسايرة (مشاهير الفلس) في نوع سيارة أو ملبس أو حفلة عيد ميلاد، قديما قال في الأمثال أب فقير متألم من مطالب أسرته (المرأة والولد الصغير يحسبون الأب على كل شيء قدير).

أين حماية مشاعر الطفل وهو يشاهد نظيره يحمل هدية ثمينة لم يحصل عليها من أهله؟!

سبق أن كتبت ناصحا بأن لا نحسد من بسط الله لهم الرزق مثل اللاعبين ومشاهير التواصل الاجتماعي وأصحاب الإبل تحت عنوان (لا تحسدوا اللاعبين والسنابيين و الإبليين أرزاقهم) لأن الله سبحانه وتعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وله في ذلك حكمة، ولا تعارض بين ذلك ومطالبتي اليوم بمنع (مشاهير الفلس) من استعراض أرزاقهم وإغاضة الغير بتفاخرهم وهياطهم، فالله لا يحب كل مختال فخور.

نشر في صحيفة الرياض يوم الثلاثاء 12 شعبان 1443هـ 15 مارس 2022م

احذروا مزيل الرائحة

هذا التحذير يعني وطننا بصفة خاصة؛ لأن وطننا يتميز ولله الحمد بخاصيتين نادرتين: الأولى، حرصه الشديد على صحة وحياة الإنسان مواطنا كان أو مقيما فلا يقبل لها ضررا ولا ضرارا من منطلق إسلامي إنساني، والثانية، أن وطننا، ولله الحمد، يوفر العلاج المجاني لجميع المواطنين من جميع الأمراض الحادة والمزمنة والعضال، لذا فإن على الجهات الحكومية كل فيما يخصه منع كل ما يثبت إضراره بالصحة بناء على الحقائق العلمية من مصادرها المحايدة النزيهة وفرض رقابة صارمة على كل مواد قد تتسبب في أمراض تستنزف صحة الإنسان (وهي الأهم) وحيويته وإنتاجه ويهدر عليها المال وهو مهم.

منذ بدأنا دراسة علم الصيدلة (منذ قرابة 40 سنة) ونحن نعلم أن لمزيلات رائحة العرق آليتين أو (ميكانيزم) أحدهما بسد قنوات التعرق واحتباس العرق والثانية بقتل البكتيريا الموجودة في الإبط والتي تحدث الرائحة، ولا ثالث لهاتين الآليتين، كما نعلم علم اليقين ومن مصادر علمية أمينة، لم تكن تأثرت بعد بإغراءات شركات تصنيع أدوات التجميل ووكلائها ومروجيها أن لكل نوع ضررا عظيما. وما زالت الدوريات والمجلات العلمية الأمينة تنشر أبحاث علماء الصيدلة الأمناء التي تؤكد ارتباط المركبات الموجودة في تلك المستحضرات بسرطان الثدي وارتفاع حالاته عن طريق تأثيرات متعددة، ليس المجال هنا لشرحها، لكن بعضها يتعلق بامتصاص مركبات مسرطنة بنفسها أو مركبات أخرى تشجع على زيادة الهرمون الأنثوي الاستروجين، وأيضا كصيدلي ممارس عايش عن قرب طرق خداع المنتجين وحيلهم في إغراء العامة، وسمع عن أساليبهم في أوطانهم بحضور عدة مؤتمرات دوائية وفي علم السموم، أرى أن من الحكمة عدم التطرق في مقال عام كهذا لأسماء المركبات المسرطنة، وتلك التي تسبب تلف الكلى وغيرها من الأعضاء، وذلك لعلمي أن شركات إنتاج مستحضرات إزالة الرائحة ووكلاءها والمروجين لها (خاصة من المشاهير والمشهورات) سيعمدون فورا لذكر عبارة (خالي من مركب كذا الضار) لذا نكتفي بالقول إن علاقة هذه المنتجات بالسرطان وتلف الكلى ثابت ومعروف سلفا.

لقد واجه العالم أجمع، ونحن جزء منه، كذب شركات التبغ في ادعاءاتهم بعدم علاقته بالسرطان ودفعوا أموالا لمن يدعي أبحاثا تنفي تلك العلاقة وفرضوا عبارات مثل (ليس هناك ما يؤكد) حتى ذهبت ملايين الأرواح واستيقظت بعض الضمائر وكذا فعل منتجو مشروبات الطاقة ووكلاؤهم، واليوم ستجد أبحاثا تقول (ليس هناك ما يثبت وجود تأثير مباشر لمزيل الرائحة على الثدي يسبب السرطان) أو (استشر طبيبك قبل وضع مزيل الرائحة إذا كان لديك مشاكل في الكلى) وهي عبارات مدفوعة مخادعة.

إن من مشاكل مجتمعنا الكبيرة التأثر بما يصدر من الواتساب والسناب وتويتر من معلومات مضللة لمشاهير الترويج المدفوع، لذا علينا وعلى الجهات المعنية تكثيف حملات التوعية ضد كل ما يضر بالصحة ومواجهة التيار الجارف المضلل للمنتجين؛ فالوطن هو من سيتحمل خسارة الصحة أولا وخسارة علاج المرض، فالوضع خطير جدا. واسمحوا لي أن أستشهد بمجتمعي الصغير، فأنا صيدلي مخضرم وابنى سليمان صيدلي متفوق وممارس لخمس سنوات، ومع ذلك عند محاولتنا للتوعية نواجه عبارة (بس يقولون هذا منتج طبيعي خالي من المواد الضارة) ولا أجزم بأننا ننجح في مواجهة التيار الجارف.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 3 شعبان 1443هـ 6 مارس 2022م