اليوم: 28 مارس، 2022

المأكولون (المجحودون)

وأنا ألقي محاضرة ختامية في المؤتمر السعودي الثالث للسموم بدعوة من الجمعية السعودية لعلم السموم، حول تجربة تأسيس المركز الوطني لإنتاج الأمصال واللقاحات بالحرس الوطني ودوره العظيم في علاج التسمم بعضات الثعابين ولدغات العقارب في المملكة ودول الخليج العربي والدول المجاورة، ثم طرق علاج التسمم بسموم الثعابين والعقارب والوقاية منها، تذكرت وتأثرت وأنا ألقي المحاضرة بذكريات التأسيس وما واجهنا من صعاب وتحديات تخطيناها بقوة وإخلاص وعزم رجال الحرس الوطني، فكنت أقول دوما وأنا أذكرها: إن همة رجال الحرس الوطني أصعب من كل الصعاب، والمواقف تشهد بذلك، كيف لا؟ وهم شريحة وجزء من رجال هذا الوطن ونسائه الذين استعصوا على الصعاب بعون من الله، ثم بإيمانهم به وإخلاصهم في عبادته.

لست هنا لأتحدث عما واجهنا من صعاب فقد كنا منها أصعب فجعلناها سهلة وجعلنا وعرها سهلا بروح الفريق الواحد، لكنني أقول إن تأثري أصبح أكبر وأنا أسمع شكر الله وحمده في عبارات ممزوجة بعبرات الدكتور محمد عيسى مريعاني أستاذ الكيمياء التحليلية وهو يهنئ الجميع بنجاح المؤتمر، ورغم معرفتي الحديثة المحدودة بالقائمين على الجمعية السعودية لعلم السموم والقائمين على المؤتمر، إلا أنني أعلم أن معظمهم بما فيهم د. محمد مريعاني هم ممن خدم الوطن موظفا لسنوات عديدة ثم ترجل وتقاعد لكنه استمر يعطي بإخلاص وتطوع.

هنا تذكرت أناسا كثر مررت بهم في حياتي العملية سواء كصيدلي أو كصحفي ثم كاتب يعملون بجد وإخلاص وتضحية في مؤسسات ودوائر ووزارات يعمل فيها غيرهم بنفس رواتبهم لكنهم لا يضحون مثلهم، بل ربما قصروا في عملهم الأساسي، فهم (أي السلبيين) نوعان: سلبيون يؤدون عملهم اليومي بلا زيادة ولا اسهامات ولا تطوع أو تضحيات، وآخرون أكثر سلبية، فلا يؤدون عملهم الأساس ويتقاعسون فيه، وطبيعي أنهم لا يقدمون أدنى تضحية أو تطوع أو جهد.

المشكلة الكبرى أن المؤسسة أو الدائرة تساوي بين من يعمل ومن لا يعمل ومن يخلص ومن يتقاعس، أما المشكلة الأكبر فهي أن بعض المؤسسات والدوائر تميز المتقاعس (عيني عينك) لأسباب علاقة شخصية مع المدير أو مصالح أو واسطة وفساد (زال ولله الحمد اليوم أو هو في طريقه للزوال)، فيتحول المخلص إلى مأكول مجحود، لذلك اقترحت (وما زلت أقترح) ألا يتم أمر تقدير الموظفين وتشجيع العاملين عبر التواصل مع المدير فقط أو بناء على رأيه هو فقط، بل تسعى الوزارة أو الجهة المعنية إلى الوصول للمخلص بطرقها الخاصة، والشيء نفسه اقترحته فيما يخص الإنجازات والإبداعات فبعض المديرين يسرق إنجاز وإبداع الموظف وينسبه لنفسه، والأمر لا يحتاج إلا إلى خطاب فعلينا أن نحتاط ونتأكد.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 24 شعبان 1443هـ 27 مارس 2022م

ساعدني لأتهمك بالتحرش

جميل جداً ما يتم من توعية بأشكال وصور المخالفات والجرائم الأخلاقية ومن أهمها جرائم التحرش بالنساء، سواء عبر رسائل التوعية والتحذير من النيابة العامة أو ما تقدمه البرامج المتلفزة من تحذيرات من الوقوع في فخ التحرش عبر حوارات مع محامين يوضحون فيها صور وسلوكيات وألفاظ وطلبات قد تؤدي للاتهام بالتحرش، وإن كان التركيز في تناول موضوع التحرش ينصب على تحرش الرجل بالمرأة، بينما لا يخلو العالم من حوادث تحرش امرأة برجل، بل إن أحد أهم صور التحرش المذكورة في القرآن الكريم ارتكبتها امرأة ضد رجل حينما قدت قميصه من دبر وكذبت وكان من الصادقين.

وعلى العموم فإن حوادث التحرش في عالمنا العربي أو العالم الإسلامي، إذا حدثت فقد اشتهر أنها تحدث من رجل على امرأة لاعتبارات كثيرة، منها: محافظة وحياء المرأة المسلمة، كما أن من نافلة القول أن نؤكد أن التحرش في عالمنا العربي والإسلامي قليل جداً، ولله الحمد، مقارنة بمجتمعات غربية غير مسلمة وفي غالبها منحلة أخلاقياً، وتتميز عنها مجتمعاتنا بتمسكها بقيمها الإسلامية وغيرتها على المرأة، واحترام حقيقي للمرأة وصيانة لها.

التوعية بالأنظمة والعقوبات مهم جداً ولا يمكن اعتباره زائداً عن حده مهما زادت طرقه، فالتوعية خير وبركة ووقاية من الوقوع في الخطأ بالخطأ، وهذا بيت القصيد في هذا المقال، الذي أريد فيه أن أشير لاحتمال إساءة استغلال نظام مكافحة التحرش أو احتمال وقوع شاب شهم في شراك تهمة بالتحرش رغم حسن نيته لتقديم عون بشهامة أو الاستجابة لنداء طلب مساعدة مخادع.

أما إساءة استغلال نظام مكافحة التحرش فقد يحدث (وحدث عالمياً) باستغلال فتاة لطيبة شاب لمساعدتها ثم تصويره على أنه تحرش بها بأي صورة من الصور التي قد يساء فهمها كتحرش، وحسب الروايات الكثيرة، غير المؤكدة، أن قلة اتخذن التهديد بالاتهام بالتحرش وسيلة كسب رزق وهو أمر غير مستبعد، لذا علينا تكثيف تحذير شبابنا من الوقوع في فخ مثل هذا، وهذه مهمة برامج التلفزيون ووسائل الإعلام الموثوقة. أما الوقوع في الشراك بسبب شهامة وفزعة دون طلب فتحتاج أيضاً إلى تحذير وتذكير وتنبيه باتخاذ كافة الحيطة والاحتياط عند تقديم الفزعة، وعلى كل حال فإن لدينا -ولله الحمد- قضاء فطن عادل سيكشف البراءة وحسن النية من الخبث وسوء النية، لكن التحذير يجب أن يتم وبشدة تلافياً للابتزاز قبل رفع القضية أو متاعب ما يسبق رفع القضية من مراجعات وتشويه للسمعة.

المهم حذروا الشباب والفتيات من خطورة الطيبة الزائدة في حلهم وترحالهم، والله الحافظ.

نشر في صحيفة الرياض يوم الأحد 17 شعبان 1443هـ 20 مارس 2022م