اليوم: 30 أكتوبر، 2004

سعودة التسوّل

المسؤولون عن مكافحة التسول أو القائمون على الشأن الاجتماعي في هذا الوطن عندما يتحدثون عن التسول كظاهرة سلبية يركزون كثيراً على التأكيد بأن غالبية المتسولين هم من غير السعوديين.
هذا النمط التقليدي القديم في نفي كون بعض الصور السلبية لها علاقة بالمواطن لم يعد الخيار النافع إعلامياً كما كان يعتقد في السابق.

في هذا العصر عصر الشفافية ومعالجة الجرح بفتحه وتنظيفه وهو العصر الأكثر إشراقاً لابد أن نعتق أنفسنا من بعض الأنماط الإعلامية البالية التي تحرص على التأكيد “أن كل شيء تمام” !! لأنه ليس كذلك بل لا يمكن أن يكون كل شيء كاملاً بصورة مطلقة ولكن يمكن أن نخفض نسبة السلبيات مقارنة بالإيجابيات عن طريق عمل كل ما يمكن عمله وطنياً لعلاج السلبيات بناء على أسبابها الحقيقية، وبناء على هدفنا الذي نريد أن نصل إليه.

في شأن التسول، لا شك أن الهدف هو القضاء على التسول كظاهرة بصرف النظر عمن يمارس هذا السلوك” وان كنت شخصياً أتحفظ على طريقة المحاربة، التي تعتمد على محاربة السلوك دون معالجة أسبابه” ولكن الغريب أننا حتى في أسلوبنا الخاطىء في التعامل مع التسول نخطىء إعلامياً.. كيف؟!!.

تركيز مسؤولي المكافحة أو القائمين على الشأن الاجتماعي على أن غالبية المتسولين هم من غير السعوديين يتم بطريقة توحي لك أن ثمة رغبة في (سعودة التسول)، خاصة أننا في خضم حملة إعلامية للسعودة.

عندما تقول أن 70% من موظفي الشركة الفلانية غير سعوديين فإنك، بناء على التوجه العام للسعودة، تقصد أن تلك الوظائف يجب أن تتم سعودتها، وعندما تقول أن 90% من المتسولين غير مواطنين فإنك وضمن نفس التوجه توحي بأنهم لو كانوا سعوديين فإن الأمر مقبول.

يؤكد هذا تصاريح شهود العيان للصحافة عندما تحدثوا عن القبض على ثلاثة آسيويين يتسولون بثياب سعودية لكي يوهموا الناس والمكافحة أنهم “متسولون وطنيون” وكأن المشكلة هي في الجنسية وليس السلوك.

لم يغب عن ذهني أن هدف المسؤولين من هذا التصنيف أبعد مما ذكرت فالهدف الأهم هو أن “الأمور تمام” وأن المواطن غني عن أن يتسول، وهذا الذي لم يغب عن ذهني هو ما يقلق ذهني!!، وهو الخطر الأكبر وهو ما قصدته بالأسلوب الإعلامي التقليدي.

يركزون على التسول ويسارعون في التجاوب مع أي تبليغ عنه ويحرصون على التأكيد أن ممارسيه من غير السعوديين بينما هم بطيئون جداً في التعام مع الفقر رغم الاعتراف به وتوجيه القيادة بضرورة معالجته بأسرع وقت ممكن.

أخبار مكافحة التسول تملأ الصحف والتجاوب مع الإبلاغ عن المتسولين يتم بلمح البصر وعن طريق أسطول من سيارات المكافحة ، بينما كتبنا عن وضع الفقيرة (المعلقة) ولم نحرك ساكناً إلا في إحدى قنوات أوربت، (قناة اليوم) تحديداً التي ما أن نشر الموضوع حتى دعت كاتبه إلى حوار مباشر حول الموضوع ولمدة 25دقيقة. فهل أصبح الإعلام يتجاوب مع ما يطرح في الإعلام عن الفقراء أكثر من المسؤولين أنفسهم؟! أم أن الإعلام لم يجد من يتجاوب مع الإعلام فأصبح الإعلام يتجاوب مع نفسه؟!!.