اليوم: 30 يونيو، 2013

الخطر القادم

على المخضرم منا أن يقارن بين حالنا بالأمس وحالنا اليوم، ثم يتوقع النتائج ويحذر منها، خذ ــ على سبيل المثال ــ مجالسنا اليوم في المناسبات واللقاءات، بل حتى في الاجتماعات الأسرية، الصورة السائدة فيها هي لمجموعة أشخاص متقابلين لا يتحدثون مع بعضهم مطلقا، يحمل كل منهم جهاز هاتف ذكي موصولا بالإنترنت تتلاعب أصابعه بأزراره، متخاطبا كتابيا مع طرف آخر في مجلس آخر أو مع مجموعة من الأصدقاء في (قروب) محادثة، أو مغردا عبر تويتر.

جيل ما قبل الأيباد والأيفون والجلاكسي كان مختلفا تماما، كان يحضر المجالس والمناسبات واللقاءات والاجتماعات الأسرية ليستمع لتجارب وخبرات ونصائح من هو أكبر منه ولو بيوم وينقلها لمن يصغره ولو بيوم، كان يتحاور حول قضايا هامة، سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية ترفع من رصيده المعرفي، ويستمع لمواقف يبرز فيها الالتزام بالقيم والمبادئ ومواقف الرجال.

جيل اليوم يتحاور أيضا عبر تلك الأجهزة، لكنه حوار مختلف تماما في المضمون والطريقة، حوار يقوم على مشاهدة مقطع طريف مرسل للمجموعة أو كلام مشجع فريق يسخر من آخر، أو تبادل صور بعضها (يوسع الصدر) أو نشر (نكتة) مسلية، لكن المؤكد أنها في الغالب (باستثناء بعض تغريدات تويتر المقتضبة) ليست محادثات تستفيد من خبرات وتجارب سابقة وتبني رصيدا معلوماتيا مفيدا للمستقبل وقائما على تجارب كبار السن والخبراء والناجحين ورجال المواقف، مثلما كان يحدث في المجالس في السابق.

هذا (الانفصال) أو الهوة الواسعة بين تجارب الأجيال الناجم عن ظاهرة الصمت في المجالس سيؤدي إلى جيل لا يحمل أي رصيد معلوماتي متصل بمن قبله من الأجيال ولا تجارب مفيدة، وربما يفتقد لبعض القيم القائمة على الاقتداء والقدوة، والعاقل من يستدرك ويستعد لهذا الخطر القادم باستعادة عنصر التواصل الحي وإنعاش روح مجالس لا جوالات فيها بل تجول في التاريخ والمواقف والتضحية وتجارب الحياة القاسية التي قد تتكرر.

الصدمة الكبرى للسياحة الداخلية

سنصل للصدمة الكبرى للسياحة الداخلية، لكن دعونا نستعد تدريجيا بالتعرض للصدمات الخفيفة التي نعرفها وكنا نتلقاها تباعا.

في كل دول العالم السياحية ثمة سعر خاص بالمواطن في الفنادق وأماكن الترفيه، بدأ بطريقة واضحة ومكشوفة في مصر ــ مثلا، حيث يوجد شباك للسائح وشباك للمواطن وسعر مبالغ فيه للسائح وسعر معقول للمواطن، وكانت الحجة هي تذمر السكان المحليين من رفع السياح للأسعار. في دول أخرى، كان ذلك التمييز موجودا وما زال، لكن بطريقة أكثر مجاملة وتحت غطاء السعر الخاص لمكاتب السياحة الداخلية، حيث يحصل المواطن من مكاتب السفر والسياحة على سعر منافس يستغل جهل السائح بهذه الحقيقة.

في دول أكثر تقدما وحرصا على عدم التمييز، وخصوصا بعد أن أصبح خيار السائح واسعا ويتم عبر الشبكة العنكبوتية وببطاقة الائتمان، استحدث ما يعرف ببطاقات العضوية التي تحظى بتخفيض وترقية مرتبة وخلافه.

نحن لم ننعم قط داخليا بسعر للمواطن لا بالمكشوف ولا الخفي!!، ونحن لم ننعم قط بسعر خاص مخفض تحصل عليه من مكاتب السفر!!، بل إنني أذكر أن ملاك مكاتب السفر الكبار كانوا يشتكون من أن الخطوط السعودية والفنادق تمنحهم سعرا تقول إنه مخفض، وتمنح الراكب أو الساكن أقل منه!!، أي أنه لا يوجد تخفيض أصلا!!.

ونحن لم ننعم قط، وحتى تاريخه، بمميزات أي بطاقات عضوية أو تخفيض، حتى عروض البنوك التي تعلن عنها بالحصول على خصم عند الشراء ببطاقة التميز (بلاتيني، ماسية، ذهبية، فضية، أو حتى فوشي أو بيج) عندما تعرضها على المحل يرد البائع (شو بدك فيها؟! تكرم عينك أنا بعطيك خصم قدها مرتين!!، هي معمولة على السعر الأصلي هي بتضرك ما بتنفعك!!).

أما الصدمة الكبرى للسياحة الداخلية، فهي أنك تقصد فندقا في أبها أو الرياض أو جدة أو الباحة أو الطائف، فيمنحك سعرا خياليا في خانة الآلاف لليلة في غرفة صغيرة!!، فإذا شمرت عن لسانك وقلت (أريد السعر الذي حددته هيئة السياحة، ترانا فاهمين ما أحد يلعب علينا!!) يضحك الموظف، حتى تبين حشوات ضروسه الخلفية، ويخرج لك قائمة بتسعير هيئة السياحة تفوق ما عرضه عليك بمئات الريالات، وهو يقول تفضل يا فاهم يا إلي محد يلعب عليك!!).


من تخاطب وزارة الصحة بالضبط ؟!

الأغرب اليوم من أخطاء وزارة الصحة الجسام وخطوبها الجلل هو أسلوبها في الرد على تلك الأخطاء والدفاع عنها، فاستفزاز الرد، لا أقول يفوق الخطأ لأنها أخطاء لا يفوقها شيء، لكن استفزاز الرد يزيد من قهر الضحية وأهلها وأقاربها والمجتمع المتعاطف معها.

عندما يفوق حجم الإهمال والإخفاق كل التوقعات وكل درجات التشاؤم فيحقن العلاج الكيماوي في المريض الخطأ فإنك عندئذ تتحدث عن منظومة عمل خاطئة، ودعوني أحدثكم كصيدلي وباختصار شديد عن الخطوات الاحترازية البدائية التي تسبق قرار حقن العلاج الكيماوي (أيضا لا أقول حقن العلاج الكيماوي ولكن قرار إعطائه) في أي مستشفى فثمة تشخيص مبدئي (مكتوب) ثم تأكيد تشخيص (مكتوب) ثم تحديد لنوع العلاج الكيميائي ثم فحوصات مكثفة لقدرة المريض على تحمله ثم حساب للجرعة بناء على مساحة الجسم ثم حساب لقدرة أعضاء محددة كالكبد والكلى لإخراج تلك المواد الكيميائية الغريبة أو ما يسمى بـ(الآيض) ثم تحديد الجرعة بناء على ذلك وجدول تناولها، تتلوه مراجعة دقيقة للجرعة من الصيدلي وكل تلك الخطوات تتم بالتعامل بما يسمى التدقيق المكرر (دبل شيك) من كل الأطراف المعنية (طبيب معالج، وأخصائي مختبر أنسجة وصيدلي ثم ممرضة) وتعتمد المراجعة على مطابقة الاسم والرقم الطبي والعمر والوزن والتشخيص إلى آخر ذلك من سلسلة خطوات لا يمكن لمستشفى يعطي الكيميائي إلا ويطبقها.

فهل بعد كل هذا يأتي بيان حول إعطاء علاج كيميائي للمريض الخطأ فيحول طفلة سليمة بلون الورد إلى اللون الشاحب الرمادي ويتساقط شعرها بفعل تأثيرات جانبية معروفة للعلاج الكيميائي، ثم يتحاشى البيان كل ذلك الكم الهائل من الإهمال ويحول والد الطفلة إلى خصم ويذكر أن والدها هو من حلق شعرها؟!، أي قسوة وعدم اكتراث هذا؟!!.

في خطأ رهام حاول رد الصحة أن يقنع غير المختص أن فيروس الإيدز، الذي ينتقل عبر تلوث إبرة بنقطة، لم ينتقل بحقن نصف لتر من دم ملوث!!، والآن يتركون أخطاء جسيمة بهذا الحجم الذي ذكرناه ليقولوا (حلقها والدها!!) من تخاطب الصحة بالضبط ولماذا؟!!.

هيئة وجمعية حقوق إنسان لكل مواطن

حسب الأداء المنتقد لهيئة وجمعية حقوق الإنسان والمتمثل في مجرد التصريحات الإعلامية مع الحدث والتصوير صحفيا مع ضحايا القضايا فردا فردا، دون تحقيق أدنى إنجاز أو تقدم لترسيخ أطر حماية واضحة، بل دون النجاح في أية قضية أدعت الهيئة أو الجمعية الوقوف معها، فإن المؤشرات تشير إلى أن الهيئة والجمعية مجرد لوحة خلفية للتصوير مع القضايا سواء الاجتماعية أو قضايا ضحايا الإهمال الصحي أو المؤسساتي العام.

حتى في مجال الوقوف مع المواطن المتضرر من مؤسسة صحية أو وسيلة إعلامية فإن هيئة حقوق الإنسان أثبتت في أكثر من موقف أنها مخترقة أو مجاملة أو تخشى الإعلام فتعد بتبني قضية ثم تتردد وتحنث في وعدها لمجرد خوف من وسيلة إعلامية أو وزارة أو مؤسسة.

ذلك يدل على أنه لا تتوفر أطر ثابتة للعمل مبنية على أساس تطوعي أو مؤسساتي مخلص لا ينحني ولا يتردد ويقوم على الوقوف مع الضحية والمطالبة الملحة بحقوقه حتى يتحقق إنصافه.

خذ على سبيل المثال الشاب سعود العجمي الذي اشتكى من خطأْ طبي تسبب له في عاهة في المخ أنهت جل طموحه وقدراته فاستغلت قناة إعلامية مقاطع من الحوار معه بتصويره كمحتاج لمساعدة مالية وجمع تبرعات (رغم منع جمع التبرعات بهذه الطريقة نظاما!!)، وطالب سعود برد اعتباره فقط ورد التبرعات لمن دفعها ونفي حاجته للمال بل للحق، وقدم على جمعية حقوق الإنسان فاعتذرت عن تبني حقه بحجة اعتمادها على التبرعات ووعدته الهيئة بتبني أمره ثم غيرت رأيها مجاملة ومحاباة.

في حالات التصوير مع الخبر تشعر أن لكل مواطن جمعية وهيئة حقوق وإذا بحثت عن إنجاز فلا تجده!!.