الشهر: يوليو 2013

الصحة وتجربة أمريكا مع التكييف

صحيفة (الاقتصادية) نشرت أول أمس الاثنين تقريرا مفصلا محزنا عن معاناة المرضى مع سوء التكييف في مستشفى الأمير سلمان في الرياض التابع لوزارة الصحة، وهنا يجب أن أعترف بأنني أخفيت عنكم هذه المأساة الإنسانية، فمنذ عدة أشهر وردني وممن أثق فيه، عن طريق الجوال كم كبير من الصور لمرضى في مستشفيات تابعة لوزارة الصحة وهم يقتنون مكيفات صغيرة جلبها ابن بار للتبريد على والدته أو والده، أو أب حنون يريد أن يخفف من معاناة ابنه أو ابنته المرضى بما يستطيع تخفيفه وهو عطل التكييف. أما عطل الكبد أو الكلى أو أي عضو آخر فمعاناة جاء بسببها المريض وتم تنويمه ويفترض أن تعالج أو تخفف، لا أن يزيدها المستشفى معاناة بعدم إصلاح سوء التكييف في عز الحر.

لم أنشر الصور في صفحتي على (تويتر) ولا (فيسبوك) ولم أكتب عنها هنا لعدة أسباب أهمها أنني أشعر أن وزارة الصحة لن تبادر إلى إصلاح نظام التكييف، بل ربما بادرت لإخراج المرضى الذين تم تصوير غرفهم وفيها المكيفات التي اشتراها أقاربهم، وهذه ليست مبالغة، ومن ظن أنني بالغت فما عليه إلا أن يعود لقصة ثلاجات الموتى في جازان!. أما السبب الثاني فلأنني أجزم أن مساوئ وزارة الصحة تحجب ولا تصل. أما الثالث فحفاظا على نفسياتكم، خصوصا أنه ما باليد حيلة لا بيدي ولا بيدكم لا في أمر عطل نظام التكييف ولا عطل نظام الصحة في التعاطي مع النقد . أما الرابع فمن أجل الاستفادة من المساحة في نقد جهة لا تحجب مساوئها، وتستفيد من إهداء العيوب.

أما وقد نشرت (الاقتصادية) ما أخفيت مدعوما بتصريح مصدر مسؤول في المستشفى قال حرفيا «إن معاناة قسم التنويم في المستشفى مع تعطل أجهزة التكييف مستمرة منذ أكثر من سنتين، ووزارة الصحة لديها علم بذلك، وقد خاطبنا الوزارة مرات عديدة، وأرسلنا لهم خطابات وفاكسات متواصلة لحل هذه المشكلة إلا أن الوزارة لم ترد علينا حتى هذه اللحظ» (انتهى)، فإن لي سؤالا للوزارة وهو إذا كانت حجتكم في عدم تطبيق التأمين الصحي (بلسم) قولكم إن تجربة التأمين فشلت في أمريكا، مع أنها تجربة مختلفة تماما عن (بلسم)، فهل عدم إصلاح خلل التكييف الذي استمر سنتين يعود لفشل تجربة التكييف في أمريكا أم فشلنا في التجربة الإدارية؟!.

لكيلا نخسر قراءة السديس وختمته

حراك دائم ونشاط واضح يشهده الحرمان الشريفان منذ أن تولى معالي الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس منصبه رئيسا عاما لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، امتدادا لجهود كبيرة بذلها من سبقوه في الرئاسة العامة لشؤون الحرمين تذكر فتشكر، وهذا الحراك الجديد الذي أتم عاما حافلا ويزيد سبق أن رصدته «عكاظ» منذ بداياته وبالتفصيل في زاوية (رؤية) بقلم الأستاذ عبدالعزيز حنفي في يوم الجمعة 28 شعبان 1433هـ، في مقال لا يحتاج لإضافة سوى التأكيد بعد مرور عام على ما ذكر أن تلك الجهود والحركة الدائبة التي يتابعها الشيخ الدكتور عبدالرحمن السديس ويشرف عليها مباشرة بنفسه آتت أكلها سريعا، ولا تزال تطرح الثمار في شكل تطور ملحوظ في الخدمات المقدمة للحجاج والمعتمرين والمصلين في كل المواسم والأوقات، ولمسها الناس وهم شهود الله في أرضه.

ولا شك أن أعمال الإدارة والمتابعة والإشراف تحتاج إلى وقت وتركيز وجهد قد تقتطع جميعا من وقت وتركيز وجهد الشيخ السديس الإمام ذي الصوت العذب الذي يصل إلى القلب قبل الأذن، والخطيب الذي يحسن اختيار قضايا الساعة فيتناولها بشمولية لا تستغرق وقتا، ودقة انتقاء تقطر حكمة، ووصول للهدف النبيل دون مجاملة ولا مداهنة ولا إثارة ولا فتنة، وصاحب دعاء الختمة في رمضان الذي ينتظره المسلمون في المعمورة أجمع على اختلاف مواقيتهم وأعمارهم، تنتظره العجوز لتدعي، ويعقد معه المسن موعدا ليلبي، ويتسمر أمامه الفتى الشاب خاشعا يبكي.

أحمل إلى الشيخ الجليل توسلات الملايين بأن لا ينشغل بالإدارة عن الإمامة والخطابة، ودعاء ختم القرآن، ونحن نثق بقدرات من يخلفونه في الإمامة ونتطلع لبروز ما لديهم من قدرات وإمكانات تتدفق من معين خير لا ينضب وسيستمر ينجب وينجب، لكننا نقترح أن يساوي الشيخ بين الإنابة في الإمامة وتوزيع الصلاحيات في الإدارة والإشراف؛ لكيلا لا نخسر الشيخ الدكتور عبدالرحمن السديس الإمام الخطيب عندما كسبناه رئيسا عاما نشيطا ذا حراك ومنجزات.

يا بطانية الشتاء أين مكيف الصيف؟!

من لا يجد ما يشتري به بطانية تقي أطفاله برد الشتاء القارس لا بد أنه في أمس الحاجة لتأمين مكيف يلطف على أطفاله وأسرته حرارة الصيف الحارق، فما بال وزارة الشؤون الاجتماعية تتحدث كل شتاء عن تأمين آلاف من البطانيات ولا تتطرق مطلقا لتأمين المكيفات؟!، بل لماذا تخصص حملة باسم (بطانية الشتاء) ولا تتحمل الخوض في أمر (مكيف الصيف).

هل لأن البطانية أسهل (تجميعا) من المحسنين كسلعة مستخدمة أو أيسر ثمنا و أسهل حملا كمساعدة؟! أم لأنها أيسر توزيعا ولا تستدعي تركيبا ولا تصرف كهربا.

كل تلك الاختلافات في طبيعة ووزن البطانية مقارنة بالمكيف لا تبرر التركيز على أحدها دون الآخر إلا إذا كانت الوزارة تعتمد على سلك أسهل الطرق التي تحقق التحدث عن إنجاز، وهذا لا يليق لأن الطموح يفترض أن يكون لتحقيق راحة ورفاهية وسلامة الشريحة المحتاجة بتوفير احتياجاتها الأصعب قبل الأسهل، ورفع المعاناة عن الفئة الفقيرة أيا كانت تكاليف رفعها أو صعوبتها.

النتائج الوخيمة لموجة الحر أكثر وأشد ضراوة من موجة البرد والأضرار الصحية والخطر على الحياة من وصول درجة الحرارة إلى ما تصل إليه في بعض مناطق المملكة أكبر من أضرار وخطر انخفاض الحرارة، وحاجة الأسر الفقيرة ومطالباتهم بتركيب مكيف أو استبدال قديم أو إصلاحه عظيمة جدا ويتصدى لحالات منها حاليا أهل الخير و المتبرعون من أصحاب القلوب الرحيمة، لكن نسبة ما يتم تلبيته حاليا من الموسرين قليلة جدا مقارنة بالأعداد الكبيرة التي تشكو الحر.

أما رسميا سواء من وزارة الشؤون الاجتماعية أو جهات جمع المساعدات والهبات والتبرعات التي تهب سنويا في حملات شتوية لجمع (بطانية الشتاء) فلم تتطرق قط لـ (مكيف الصيف) وكأن الفقراء يقضون الصيف في الريف الأسباني أو مناطق إيطاليا الجبلية!!.

لو أن الأمريكي ترايفون خادمة لسعودي

للمنخدع بكذبة عدالة أمريكا، دعك الآن من مواقفها العنصرية تجاه شعوب تعيش خارج أرضها ودعك من حق النقض (فيتو) الذي تستخدمه ضد أي قرار ينتصر للفلسطينيين ودعك من ممارساتها التعسفية الظالمة للمبتعثين السعوديين أو حميدان التركي والسائحة السعودية بدعوى الانتصار لخادمة يربطها بمستخدمها عقد موقع من الطرفين خارج أمريكا وجاءت برفقة الأسرة السعودية لسياحة محددة بإقامة قصيرة عابرة لا تستدعي تعلم تفاصيل القوانين الأمريكية.

دعك أيها المخدوع بعدالة أمريكا من هذا كله وطالع تفاصيل قضية الحدث الأمريكي من أصل أفريقي ترايفون مارتن 17 سنة الذي قتله معاون شرطة معروف بألفاظ عنصرية ضد السود في فبراير 2012م وتساءل لماذا قامت المظاهرات أول أمس في عدد من الولايات الأمريكية بعد تبرئة القاتل الأبيض الذي ارتكب أخطر مخالفة بعصيانه لأمر غرفة العمليات 911 بعدم الخروج وملاحقة الحدث بعد أن اتصل مبلغا بشكه في الغلام الأسود الذي جاء لزيارة والده في الحي.

لا بد أن تكلف نفسك عزيزي المخدوع وتقرأ تفاصيل الجريمة المركبة التي انتهت ببراءة أخرجت الشعب المقهور في مظاهرات، وإليك أهم النقاط:

القاتل بلغ بشكه في الغلام لكنهم أمروه صراحة بالبقاء في مكانه فخرج وفي نفس وقت البلاغ وربما قبله!! سمعت طلقات النار، كما أن صديقة الشاب كانت معه على الجوال ولم تسمع شجارا قبل انقطاع الاتصال، القاتل ادعى أن الصغير ضربه وكسر أنفه، وأنه دافع عن نفسه بإطلاق النار عليه، رئيس الشرطة في فلوريدا الذي لم يحسن التعامل باعتقال القاتل واعتبره دفاعا عن النفس استقال، القاتل فر من العدالة واختفى وأعلن فريق الدفاع تخليهم عنه وبراءتهم منه، ثم عاد ليسلم نفسه ويخرج بكفالة (حفنة دولارات) مقارنة بكفالة صاحبة الخادمة ثم تم قبول ما قدم من تقارير كسر أنفه وتم تبرئته من قتل الصغير ترايفون !!

كتبت منذ تسعة أيام مقالا بعنوان (قوانين أمريكا المجنونة) حول تعسفها مع السعوديين الذين يحضرون خادماتهم ولم يرض بعض المنخدعين ولهم أقول لو أن ترايفون هذا جاء مع أسرة سعودية كخادمة ومات ميتة طبيعية فما الذي سيحدث للأسرة أجمع ؟!

سيرتدون الملابس البرتقالية، شعار العدالة الأمريكية.

برامج رمضانية أسقطت المسلسلات

حسنا فعلت عدد من القنوات الرزينة المحافظة حينما خصصت لأوقات الذروة (بعد الإفطار وقبل السحور) برامج حية ومتنوعة، وليس مسلسلات، فقد حققت نجاحين و ضربت عصفورين بحجر.

فالنجاح الأول: هو شد المشاهد وربطه ببرنامج متنوع ينتظره بشغف مثل برنامج (سواعد الإخاء) الذي يشترك في تقديم مائدته الدسمة كوكبة مشهورة من الدعاة يقدمون للشباب تجارب ناجحة وناصعة ونصائح وتوجيهات في شكل حوار بينهم و عرض لتجاربهم في الحياة والمواقف التي واجهتهم وكيف تعاملوا معها، ثم يحاور أحدهم آخر على انفراد حوارا مؤثرا تتعلم منه الأجيال أهمية بر الوالدين والتعامل معهما، و اختيار الرفقة الصالحة والحذر من الفئة الفاسدة والضالة، ويتعلم منه الآباء كيف يتعاملون مع أبنائهم وبناتهم وزوجاتهم وكيف يصبحون فاعلين في مجتمعهم ويخلصون لوطنهم، ويكشف الحوار جانبا من حياة إنسان مستقيم ناجح.

أما النجاح الثاني: والذي لا يقل أهمية فهو سحب البساط من متابعة مسلسلات هابطة تهريجية لا تسمن ولا تغني عن جوع، بل اعتادت إثارة النعرات والخلافات، وبث الفرقة وتعليم ألفاظ سوقية بعضها ساقط بهدف محاولة يائسة لانتزاع ضحكة عن طريق تقليد شخص أو السخرية من خلقة آخر.

هذا العام ومع غياب مسلسل (طاش ما طاش)، الذي بدأ جاذبا بنقده اللاذع في نسختيه الأولى والثانية في وقت عز فيه النقد، ثم استهلك أبطاله وبدأ مرحلة الترنح ثم السقوط ثم الخلاف والتوقف، لم يظهر على الساحة ما يجذب المشاهد ويعقد معه موعدا، باستثناء برامج القنوات المحافظة الهادفة التي تقدم المفيد منذ أعوام، لكن برامجها الحية هذا العام استقطبت شخصيات متميزة يعقد المشاهد معها موعدا لا يخلفه.

إخراج بلسم

من أبلغ التساؤلات والأسئلة الوجيهة ما طرحته «عكاظ» الخميس الماضي في زاوية (قف) التي وجهها الزميل الدكتور محمد مختار الفال إلى نائب وزير الصحة الطبيب منصور الحواسي، وجاء فيها (ناقشتم تعديل اللائحة التنفيذية للضمان الصحي بهدف تحسين أداء سوق التأمين الصحي.. لن نسأل عن «مشروع» التأمين الصحي للمواطنين وأهميته بعد أن طال عليه الأمد وهو يرقد في أدراج الدراسات. حديثنا اليوم، يا دكتور منصور، عن ضبط سلطة شركات التأمين، فقد أصبحت الخصم والحكم في غياب دور الجهة المنظمة.. فمتى نجد من ينصف من سطوتها؟) انتهى.

ذلك السؤال الوجيه أثار لدي تساؤلا أترك الحكم على وجاهته لكم، وهو أن إحدى حجج وزارة الصحة المتناقضة في حبس مشروع التأمين الصحي (بلسم) في الأدراج، بعد أن كان جاهزا للتطبيق في عهد وزارة الوزير حمد المانع، هو (خوف) الوزارة من أن لا تكون شركات التأمين جاهزة للتعاطي مع التأمين الصحي، وإذا كان هذا هو السبب، فلماذا سلمت المواطن (موظف الشركات والمؤسسات) والمقيم لتلك الشركات لتصبح الخصم والحكم وتتحكم حتى في الموافقة على تدخل طبي أو جراحي أو رفضه؟!.

من أبجديات الرعاية الصحية المساواة بين المرضى، فكيف (أقلق) من سطوة شركات التأمين على شريحة من المواطنين أو المرضى عامة وأحبس (بلسم)، وفي الوقت نفسه (أطلق) العنان لذات شركات التأمين على شريحة أخرى من المواطنين والمقيمين المرضى؟!.

تكلمت وكتبت كثيرا مطالبا بإخراج (بلسم) من درج الاسم والاسم الآخر، وكم كان عتبي كبيرا على مغردي (تويتر) عندما استثارهم تطبيق التأمين الصحي في قطر، وقلت أننا السباقون لمشروع تأمين صحي (بلسم) مصمم ليناسبنا شرعيا واجتماعيا وإمكانات، فنحن دوما السباقون في كافة المجالات ومنها الصحية، فلنا السبق في أعلى معدلات النجاح في زراعة الكبد وجراحة القلب وجراحة العيون وأيضا في تصميم التأمين الصحي (بلسم).

انقراض جيل(الأشيمط)

ظواهر شبابية كثيرة تبشر بجيل قادم أكثر التزاما دينيا من ذي قبل، ليس بالضرورة أن نعتمد في هذا الانطباع أو الشعور أو الإحصاءات الدقيقة على أعداد الشباب الملتزمين من حيث الجوهر و المظهر معا، بل هناك مؤشرات سلوكية واضحة لشباب غير ملتحٍ أو لم تنبت لحيته بعد وغير مقصر للثوب بشكل ملفت، ومع ذلك هم شباب ملتزمون بالصلاة في المسجد في كل الصلوات المفروضة، بما فيها صلاة الفجر والصلاة الوسطى، ويحرصون على صلاة التراويح وتجدهم يلتزمون بالصلاة جمعا وقصرا في الطائرة رغم ازدحام دورات المياه والمصليات.

أعلم أن الالتزام بالصلاة ليس بالأمر المستكثر في مجتمع مسلم كمجتمعنا، لكننا نتحدث عن ظواهر ومقارنات بين أجيال كتب الله لنا بفضله ومنته العمر لنشهد عليها (نحمده سبحانه)، ففي وقت مضى وفي جيل فورة شبابنا كان جل رواد المسجد من كبار السن (الشياب)، خصوصا في صلاة الفجر، باستثناء من يحرص والده على إيقاظه للصلاة واصطحابه للمسجد بعد جهد وعناء، وفي صلاة التراويح كان الغالبية من كبار السن أو الأطفال الصغار (كان الشاي والنعناع يوزع على المصلين).في الطائرات، كان التدخين مسموحا ــ آنذاك، وكان شباب ذلك الجيل يتسابقون على مقاعد (مسموح التدخين) الشاغرة ولا يعمر مصلى الطائرة إلا فئة قليلة من النساء وكبار السن، كان ذلك واقعا من العيب إنكاره، وما نشهده اليوم واقع من العار عدم الفخر به و تسليط ضوء الفرح والاستبشار عليه.الأمثلة والظواهر الإيجابية التي تؤيد ما ذكرت من ميلاد جيل شباب ملتزم ، كثيرة منها تفطير الصائم عند الإشارات وإمامة المساجد من قبل الشباب وتبني المشاريع الخيرية التطوعية والدعوة وإرشاد الحجاج وسيل مبشر من السلوكيات لا يمكن حصره.في رأيي المتواضع وتفسيري للفارق بين الجيلين أنه يكمن في مصدر الثقافة لكل جيل، فعدد من شباب الجيل السابق كانوا يتفاخرون بالقراءة لمفكرين غربيين وسوفييت وتأثروا بفكرهم وأثروا به، ومنهم من يمارس حتى اليوم عبثا وسخرية بالملتزمين ويتطاول حتى على الدين، وهؤلاء اليوم خالط الشيب شعرهم ودخلوا مرحلة (الأشيمط) العمرية، وبحسب أعمار أمة محمد فقد أوشكوا على الانقراض، وتشهد ساحة المجتمع والشارع ومواقع العمل جيلا نقيا نهل من ثقافة علماء شرع ودين وتوعية إسلامية، فأصبحت سلوكياته الفاضلة هي السائدة.

لا جبيرة لروح مكسورة

إذا كسرت روح الموظف كسرت إرادته، وأصبح غير قادر على مقاومة الفساد حتى لو لم يكن فاسدا أصلا، والروح هنا ليست الروح المجردة، بل هي الهيبة والقدرة على المواجهة، بدليل أن مكسور الروح لا يحتاج إلى هجوم من جميع الاتجاهات، ويمكن كسر روح أحدهم ولو لبس مضادات عاكسة مقاومة.

ولكسر الروح طرق عدة ومتفاوتة يفترض أن تدرسها هيئة مكافحة الفساد جيدا علها يوما ما أن تصبح قادرة وفاعلة، فتعرف أصحاب الأرواح المكسورة فتركز عليهم في مكافحتها للفساد إذا أصبح لديها قوة عين كافية.

غريبة هذه الروح، هي أغرب جهاز غير مرئي في الجسم، لكنها تستخدم في التعبير عن إرادته كله، وقوته، وضعفه، فيقال فلان قوي روح إذا ارتكب فسادا مشهورا وواجه الناس أو استكبر، وإشباع البطن هو أقدم موضات كسر الروح وأرخصها (كان الخروف النعيمي بثلاثمائة ريال ويمكن أن تحصل به على ترقية أو ترسية مشروع) بمجرد إقامة وليمة.

الآن أساليب كسر الروح تطورت، وأصبحت تخصصا يدرس في معاهد الفساد، فهناك أسلوب خدش الروح استعدادا لكسرها، وذلك بتقديم خدمات ومواقف لا تنسى أو الاطلاع على قصور والعون على ستره أو كسب معروف لا بد من رده.

المؤكد أن المسؤول المكسورة روحه أمام موظفيه أو رؤسائه أو مجتمعه لا يستطيع مقاومة الفساد حتى ولو لم يكن فاسدا بالضرورة، فقد يعين على الفساد بضعفه وهذا أخطر.

الإرادة السليمة في الروح السليمة.

«أبو دنيا» سباكة وكهرباء ونشل معتمرين

مبروك تم القبض على عصابة (أبو دنيا) لنشل المعتمرين كما نشر بـ «عكاظ»أمس الاثنين، والعصابة حسب الصورة المنشورة المصورة من الخلف تتكون من ثلاثة أشخاص مصريين وواضح من عرض الظهر أن كل واحد منهم يده (ما شاء الله) مقاس (إكسترا لارج) أو (جامبو) لا يمكن أن تدخل إلا في جيب منفوخ بالدراهم ومفتوح على مصراعيه بل إن أحدهم (من زين الطبايع) حرص على وضع يديه خلف ظهره لتبدو في الصورة كل يد بحجم ضب معمر.

أبو دنيا، اسم يبدو مألوفا كأنك سمعته أكثر من مرة، يمكن أن يكون اسم سباك أو كهربائي أو فني تكييف، لكن تداوله في الأخبار تم وكأننا نعرف أن ثمة عصابة نشل مشهورة بهذا الاسم (أبو دنيا) أو ماركة نشل تجارية مسجلة، لكن لم يتم القبض عليها بعد!!، ونحن (يا غافل لك الله) لم نسمع بعصابة النشل هذه إلا بعد القبض عليها.

فرقة (أبو دنيا) هذه تسكن فنادق خمسة نجوم، وكثير من اللصوص يفعلون ذلك!!، لكن الغريب أن لا تجد مع (أبو دنيا إخوان) إلا مبلغ 27 ألف ريال سعودي فقط!!، يبدو أن هذه هي (الفكة) أو الخردة أما المبالغ التي عليها الكلام فقد حولها أبو دنيا لأم الدنيا!!.

من أنواع العملة التي وجدت مع العصابة (ريال سعودي، جنيه مصري، دولار، درهم إماراتي) وباستثناء الدولار الذي يبدو أنه سرق من مسافر عاد للتو واعتمر تائبا!!، فإنك تستطيع أن تستنتج جنسيات ضحايا العصابة، فجميعهم ممن يلبسون الثياب ذات الجيوب الجانبية الواسعة (سعودي، صعيدي، إماراتي) وهذا يفسر سر النشل بيد كبيرة، الأشقاء السودانيون أكثر حيطة وحذرا، جيوبهم يضعونها في أعلى الصدر وفي داخل الثوب وليس خارجه، فلو أراد أطول أعضاء فرقة أبو دنيا وضع يده داخل الجيب العلوي الداخلي لشقيق سوداني فإنه لابد أن يواجهه بأن يطوف عكس الطواف وإذا أدخل يده الكبيرة في الجيب فيكفيه نظرة من عيون شقيقنا السوداني محدقة تجعله يتحول إلى (أبو آخرة).

قوانين أمريكا المجنونة

لم أشعر يوما ما في حياتي بالاطمئنان للعيش في أمريكا، لا في زمن الشباب (زمن البعثات)، ولا في عمر النضوج، ولا كأب ورب أسرة، كنت وما زلت أشعر أن من يدخل أمريكا يضع مصيره على مفترق شكوى من متحمس لتوافه الأمور أو مريض بالكراهية والعنصرية وكف قانون عفريت قد يهوي بضعيف فقير بريء في وادٍ سحيق من الأحكام بفعل محام ادعاء بارع ظالم أو يبرئ قويا غنيا أو مشهورا رغم وضوح الأدلة ضده بفعل محام دفاع مؤثر ومال وفير!!.

لم يتكون لدي هذا التصور عبثا، بل نتيجة متابعة وتدقيق لما يكتبه الأمريكان عن مجتمعهم ومواقفهم مع القوانين الغريبة المتطرفة جدا في منح الحرية والحماية إذا شاءت، والمتطرفة أكثر في سلبها متى أرادت، والأحكام التي تقوم على قرار هيئة محلفين من شعب على نياته يسهل التأثير فيه سلبا أو إيجابا لا يهتم بمعرفة الثقافات الأخرى، بل قد يجهل اسم عاصمة دول محاذية مثل كندا والمكسيك، ناهيك عن لغة شعوبها وثقافتهم.

في شبابي، تابعت على الهواء مباشرة ودون تفويت محاكمة أوجيه سمسون وتبرئته من قتل زوجته رغم وضوح الأدلة والهرب من العدالة، وقرأت قصص آلاف المظلومين الذين نفذت فيهم أحكام السجن والإعدام لجرائم ثبت لاحقا براءتهم منها، وهذا أمر يحدث في دول أخرى، لكن توجيه الاتهام في أمريكا يتم بطريقة جنونية لا تجدها في أوروبا مثلا.

على تلك الخلفية والانطباع، حذرت مما قد يواجهه المبتعث لأمريكا (قبل 11 سبتمبر)، خصوصا مع الجهل ببعض الأنظمة الغريبة وذات الأحكام القاسية التي لا تتناسب مع المخالفة، والتي يتندر بها حتى الأوروبيون، وللأسف لم نتعظ بما واجهه المبتعث عبدالله الطوالة من الظلم ومحاولة تركيب التهم، ثم تلاه قضايا لعدد من المبتعثين، لعل أغربها حكايات القدر الكاتم المعاصرة. اسطوانة الخادمات الشرقيات بدأت مبكرة مع التهم المركبة على حميدان التركي وخادمته الإندونيسية ولم نتعظ بها أيضا!!، واليوم ندفع الثمن بقضية أخرى ضحيتها سيدة فاضلة لم تتعظ وسافرت بأربع خادمات إلى بلد يرى أن قبول طلب الخادمة بجمع مستحقاتها أو ضم جوازها في نفس خزنة جوازات الأسرة جريمة عقوبتها عشرات السنوات خلف القضبان.

لا أقول قارن بين أمريكا ودول العالم الثالث، بل قارن بين أمريكا ودول أوروبا، وستجد أن العقل نعمة وتعيش حيث يحكم العقل لا جنون العظمة.