الشهر: يناير 2021

فساد الأبحاث الأشد خطراً

يكون الفساد في الأبحاث الطبية والعلمية بأن يجريها مساعد باحث أو فني متعاقد، بينما تحمل اسم أستاذ جامعي لم يشارك في إجراء البحث، وربما لا يعلم شيئاً يذكر عن البحث، ويكون الهدف من هذا الفساد هو الحصول على ترقية في سلم أعضاء هيئة التدريس أو أن يكون طبيباً أو صيدلانياً، ويستغل البحث في الحصول على بدل تميز.

في كل الأحوال فإن الأمر خطير جداً، لأنه بالإضافة إلى حصول الشخص على درجة غير مستحقة في السلم أو بدل تميز غير مستحق، وارتفاعه درجات عن أقرانه وزملائه المنضبطين الصالحين، أو حصوله على بدل تميز غير مستحق يميزه عن زميل نظامي مخلص صادق، فإن الخطورة الكبرى على الوطن تكمن في نشر أبحاث غير صحيحة ومفبركة وتم العبث في نتائجها نظراً لعدم أمانة الباحث الحقيقي وبحثه عن رضا الأستاذ أو الطبيب أو الصيدلي المواطن الذي هو في الغالب يتحكم في مصير الفني المتعاقد كونه رئيسه أو نائب الرئيس أو الرئيس المتوقع وصاحب النفوذ مستقبلاً.

هذا النوع من الفساد يحدث كثيراً في الجامعات والمستشفيات ومراكز الأبحاث، حتى أنني أذكر أن لكل عضو هيئة تدريس من هؤلاء المخالفين فنياً أو مساعداً خاصاً به (محسوب عليه) وكأنه كفيله وليست الجامعة، وكان ذلك أمراً شبه معلوم ومتعارف عليه بأن ذلك الفني من يقوم بأبحاث ذلك الأستاذ ويلازمه وكأنه سائقه الخاص.

لا اعتراض إطلاقاً على وجود مساعد باحث يقوم بدور المساعدة الفنية كتحضير محاليل أو جمع عناصر بحث، لكن أن يتولى المساعد كل مفاصل البحث وتفاصيل إجراءاته وتحليل نتائجه وتحويرها لتتحيز لرغبة الباحث ومن ثم نشرها، فإن في ذلك خطورة بالغة على الوطن والمجتمع لأنه سيعتمد على أبحاث غير صحيحة ونتائج وهمية مخادعة، هذا خلاف شيوع نوع من أنواع الفساد العلمي الذي لا يقل خطورة عن الفساد المالي.

الجانب الآخر المسيء للأبحاث، والذي يجب إيقافه، كوننا في الطريق إلى مكانة عالمية مرموقة نستحقها، هو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب في مراكز الأبحاث، خاصة رئيس مركز الأبحاث ومساعديه ورؤساء الأقسام، فيجب أن يكون كل هؤلاء ممن لديهم التأهيل المناسب، والتجربة كباحث، والخبرة في أساسيات البحث العلمي والنشر العلمي، وحس الباحث وموهبته، وهذا لا يتوفر إلا في قلة من الأكاديميين الذين أفنوا أعمارهم في مجالات البحث بأنفسهم وبإخلاص وصدق.

نشر في جريدة الرياض يوم الأحد 4 جمادى الثاني 1442هـ 17 يناير 2021م

حاسب أصحاب الأرقام يا وطني

عندما صرح أحد الأكاديميين بأن مخزون المياه لدينا يعادل جريان نهر النيل لمدة 500 سنة، كان ذلك رقما مغالطا من شأنه أن يخدعنا، خصوصا أنه لم يمض إلا بضع سنوات وأصبح وضعنا المائي يدعو للقلق.

كان ذلك مثالا صارخا لعدم الاكتراث – ولا أقول عدم الدقة – في استخدام الأرقام بطريقة غير علمية ولا مهنية، كونها لا تقوم على دراسات فعلية، ناهيك عن دراسات دقيقة، فهي مجرد طرح جزافي تبرر فيه الغاية الوسيلة، وهذا سلوك مشين يجب وقفه ونحن نعيش عهدا يحاسب على كل فعل مشين.

التصريح المضلل عن مخزون المياه وجريان نهر النيل 500 سنة لم يكن الزلة الوحيدة لأصحاب الأرقام المغالطة غير الحقيقية ولا المسنودة بدراسات علمية محكمة ودقيقة ومتعوب على دراستها.

منذ حوالي 30 سنة ترددت نغمة مغالطة تدافع عن استفحال الأخطاء الطبية وتكرارها، وتقول هذه النغمة المغالطة إن أرقام ونسب الأخطاء الطبية لدينا أقل من تلك التي تسجل في أميركا، وهنا مغالطة واضحة جدا ومضللة ففي أميركا تسجل جميع الأخطاء الطبية مهما كانت بسيطة أو سطحية أو صغيرة فحتى رعاف الأنف لو حدث أثناء تدخل طبي يسجل ويقيد، بينما لدينا، في ذلك الوقت، لم يكن يسجل من الأخطاء الطبية إلا تلك التي تتسبب في وفاة أو إعاقة تستوجب إقامة دعوى، وحتى حينه فإن تسجيل إحصاءات الأخطاء الطبية ليس دقيقا ولا شاملا بحيث يقارن بما يتم في الولايات المتحدة الأميركية، والمؤسف أن نفس تلك النغمة المضللة طرحت في ندوة حول الأخطاء الطبية وآلية التعامل معها عقدت منذ أكثر من عشر سنوات وتحديدا في 4 أبريل 2010م مما جعل البعض يكررها لتبرير الأخطاء الطبية.

حديثا كاد بعض الأطباء ودون سند علمي أن يضللنا، مع بداية جائحة كورونا، بالقول إن الأنفلونزا العادية تسبب وفيات تصل لعشرات الآلاف، ملمحا إلى أن “كوفيد – 19” لا تختلف كثيرا عن الأنفلونزا العادية وأننا يمكن أن نتجاوزها بتركها تنتشر وتحدث مناعة القطيع، وهذا غير صحيح، بدليل أن الجائحة كانت هي الأعظم فقد بلغت الوفيات عالميا مليوني وفاة، والإصابات عالميا تجاوزت 88.5 مليون إصابة فكيف يقارن بالأنفلونزا العادية؟!، ونحمد الله ثم نشكر قيادتنا الحكيمة أنها كعادتها اتخذت نهجا مميزا وحرصا عظيما جعلنا الأقل تضررا والأكثر سيطرة وعناية ووقاية.

ما أتمناه، بعد الاستشهاد بهذه الأمثلة من التساهل في استخدام أرقام لا أساس لها من الصحة ولا مستند من دراسة دقيقة علمية ومحكمة، أن نضع حدا لهذا السلوك غير اللائق وتطبيق عقوبات على من يتساهل بادعاء أرقام وإحصاءات مضللة في كل مجالات الحياة.

نشر في جريدة الرياض يوم الاثنين 27 جمادى الأولى 1442هـ 11 يناير 2021م

خذوا رأي الموظفين في المديرين

نحن نعيش الوقت المناسب لكل شيء فنحن نسير على طريق صحيح في جميع الاتجاهات وأهمها مكافحة أشكال الفساد وتعزيز النزاهة، لذا فإن من المناسب جداً أن نكثف دراسات واستفتاءات درجة رضا الموظف عن بيئة العمل وعن تعامل رؤسائه، فليس التقييم قاصراً على رضا جهة العمل عن الموظف.

تفاجأت من حجم التفاعل مع تغريدة قلت فيها: “أمضيت بالعمل الحكومي 42 سنة، ووالله ما رأيت أحداً استقوى على الضعفاء الأبرياء أو حرمهم من حق إلا فضحه الله وحرمه وعاقبه، وما رأيت اثنين تعاضدا على غير حق وبنية سيئة إلا وأصبحا عدوين لبعضهما، وما قدم مسؤول موظفاً غير كفء على مستحق، لقرابة أو نية سيئة إلا صار شوكة في حلقه وسبب دماره” انتهى. فقد وصل عدد إعادة التغريدة إلى 5700 إعادة و 9500 إعجاب، مما يشير إلى أن لدى كثير من الموظفين معاناة مع أجواء العمل وخاصة الواسطة والمحسوبية والتمييز بين الموظفين غير القائم على الكفاءة والاستحقاق، بل على صلات القرابة والمحسوبيات.

الفساد ليس مالياً فقط، فمن صور الفساد المتوقعة جداً الفساد الإداري المتمثل في إحباط موظف مخلص بتمييز موظف متقاعس لأسباب شخصية، هذا أمر تدركه جيداً هيئة الرقابة ومكافحة الفساد، لذا فإنها بدأت فعلياً في المراجعة والتدقيق في إجراءات التوظيف والترقية و منح المميزات والبدلات والانتدابات الجديدة.

والأمل معقود على خطوة مهمة تتمثل في إعادة التقييم بأثر رجعي وإعادة مراجعة السير الذاتية والمؤهلات التي بناء عليها تم منح الرواتب والبدلات والترقيات والتعيينات خاصة في الجهات ذات المرونة في التوظيف، والترقيات على بنود التشغيل الذاتي، والإجراءات التي تتم خارج إطار اللوائح الثابتة، وسلالم الرواتب والبدلات الواضحة.

كما أن ما نعيشه من قفزة نوعية في مجال الرقابة والمحاسبة تدعونا إلى أن نطمع في خطوة تعيد تقييم وضع الموظف المناسب في المكان المناسب بناء على التأهيل والتخصص والقدرات، لأن ذلك من شأنه النهوض بكثير من الدوائر والمؤسسات التي قد تعاني من غياب المؤهل الكفء القادر على استغلال الإمكانات العظيمة التي سخرتها الدولة لتلك المؤسسات ولم تستغل.

  • نشر في جريدة الرياض يوم الاثنين 20 جمادى الأولى 1442هـ 04 يناير 2021م

رسالة النشمي للنشامى

كان يحمل سلاح الـ (آر بي جي) ويوجهه نحو أعداء الله ورسوله مدافعاً عن الوطن من اعتداء آثم يستخدمون فيه كل أنواع الخسة والمحرمات من سحر وشعوذة ورصاص مسموم، فخرج كوع ذراعه الأيسر من طرف الساتر وصادف وابلاً من الرصاص فأصابته رصاصة مزقت مفصل الكوع ففصلت ذراعه فحمل ذراعه بيده اليمنى، وتم إخلاؤه ونقله إلى المستشفى حيث اتضح أن الرصاصة مسمومة وأن جسمه قد يتلوث ما لم يبتر ساعده الأيسر من مفصل الكتف، فقدم كامل ساعده الشديد فداء للوطن، وكان يتمنى أن يقدم روحه ويستشهد دفاعاً عن الدين ثم المليك والوطن.

هذا ما قاله النشمي العنزي أحد أبطال الحد الجنوبي لبرنامج (يا هلا) على قناة روتانا خليجية، وهو يروي موقفاً من مواقف رجال هذا الوطن الأبطال ممن يذودون عن حمى الدين والوطن في كل حد وتحديداً في الحد الجنوبي، هؤلاء الأبطال الذين يسطرون مواقف الشجعان ويمثلون المواطن السعودي حق التمثيل المشرف، الذين قلت تكراراً ومراراً إنهم الرجال الذين يستحقون أن يراهن عليهم الوطن وترهب شجاعتهم الأعداء.

وجه النشمي العنزي في ختام حواره المتلفز رسالة بالغة الأهمية لرفاقه في عرين الأسود قال فيها: إن من استشهد منا فقد فاز فوزاً عظيماً، وهو برحمة ربه في جنات عليين مع الشهداء والصالحين، ومن قدم عضواً من جسده فداء للدين ثم المليك والوطن فعليه أن يحمد الله على هذا الشرف العظيم.

وكشف النشمي لبقية النشامى في رسالته عما وجده من اهتمام وتكريم من القيادة على المستويات كافة، قائلاً: منذ وصولي بالإخلاء الطبي قابلني أكثر من مسؤول رفيع وعرض علي أن أختار أي مستشفى في العالم لتلقي العلاج في أسرع وقت، ووجدت عناية ورعاية كريمة واهتماماً شعبياً وفخراً بي وبزملائي، حتى والدتي التي ظننتها ستنهار لخبر إصابتي وبتر ساعدي وجدتها تتهلل سمواً وفخراً بما قدمت لوطني.

مثل هذا البطل ووالدته ومن رباه وأسرته، ومن سبقه في ميدان الفداء، ومن هو قادم بموقف بطولي جديد، نماذج للمواطن السعودي الذي سطر المواقف البطولية منذ مرحلة التأسيس الخالدة وحتى تقوم الساعة.

أرض طيبة غرسها قائم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وسقي بتطبيق شرع الله على الجميع فأنبتت رجالاً لا يخافون في الله لومة لائم وعليه يتوكلون وللقائه يعملون.

  • نشر في جريدة الرياض يوم الأحد 12 جمادى الأولى 1442هـ 27 ديسمبر 2020م