الشهر: ماي 2002

على أي أساس؟!

“على أي أساس؟؟” جملة استفهامية يرددها كل مستغرب أو متذمر من تمييز شخص عليه أو متضرر دون غيره من إجراء سواء كان وظيفياً أو دراسياً أو بلدياً وخلافه.

الإنسان بطبعه مخلوق قنوع “في الغالب” يكفيه أن يكون ضمن مجموعة متشابهة الأفراد، تنطبق على كل منهم نفس الأسس والضوابط حتى لو كان ذلك في الضراء.

ولذلك فإن أي إجراء مبني على أساس عادل وبتطبيق الأسس والضوابط بدقة ودون استثناء يعتبر مقبولاً حتى لو كان ينطوي على ضرر.

وإذا كان الإجراء المبني على أسس وضوابط دقيقة وشاملة ينطوي على نفع فإنه بلا شك ليس مقبولاً وحسب بل مصدر سعادة للجميع.

والإنسان أيضاً يفضل أن يتضرر مع جماعة وبناءً على أساس على أن ينتفع فرد أو فئة دون أساس حتى لو لم يتضرر هو وهذا شعور طبيعي ولا يدخل ضمن الحسد ولذلك قال الإنسان: “الموت مع الجماعة رحمة”.

في اللغة العربية يطلق على ضالتنا هذه اسم الأسس والضوابط و”المتأمركون” حتى من العرب يسمونها “كرايتيريا”.

في دول العالم الثالث تكاد تكون الأسس أو الضوابط غائبة تماماً وإن وجدت فهي نادرة وغير معلنة، ولذا فإن إجراءات الترقية ومنح الميزات والتسهيلات بل والتوظيف وتحديد البدلات غير مبني على أسس وضوابط واضحة ومعروفة ومقنعة.

وفي الدول المتقدمة تم وضع “كرايتيريا” على أساسها تمنح أو تسلب معظم المميزات مع ترك هامش ضئيل جداً للعلاقات الشخصية كمرجح عند انطباق “الكرايتيريا” على عدد أكثر من العدد المستهدف.

الأسس والضوابط مثلها مثل النظم والإجراءات يجب أن تفرض فرضاً على الوزارات والمؤسسات والإدارات ولا ننظر أن تتبناها جهة أو وزارة دون أخرى لأن ذلك لن يحدث وإذا حدث فإنه سيبقى استثناء.

الأسس والضوابط لكل إجراء يجب أن تفرض من الجهات التشريعية وتطبق بدقة في الجهات التنفيذية ويراقب تطبيقها من الجهات الرقابية ويجب أن تشمل كل الإجراءات خاصة تلك التي تتعلق بمنح ميزة أو بدل أو تسهيلات لموظف أو فئة موظفين. فإلى متى يترك للمدير أو الوكيل أو حتى الوزير منح مميزات أو زيادات أو تسهيلات لمجموعة حوله من أقربائه أو أصدقائه أو حاشيته دون غيرهم مما يثير الضغائن ويسبب الإحباط لفئة من الموظفين قد تكون أكثر جهداً وأفضل مؤهلاً وأعظم إخلاصاً.

إن غياب “الكريتيريا” المعلنة ظاهرة غير صحية ولا تخدم المصلحة الوطنية، وحتى لو بدا على الناس الرضوخ للأمر الواقع ظاهرياً فإن مشاعر الإحباط تنعكس سلباً على الأداء والإخلاص والتفاني وهي من معوقات التقدم.قوائم الأسس والضوابط لا مكان فيها لمفردات الصداقة، والقرابة، والشلة، والقرية لأنها مفردات لا علاقة لها بالكفاءة والقدرات والإمكانات.

هـللات (مع دودة)

يقول الدكتور ناصر بن محمد السلوم وزير المواصلات حسب ما نسبته له الصحف إن إقرار فرض رسوم على الطرق مازال تحت الدراسة وانه لن يؤثر على مستخدميه إطلاقاً حيث ستقدر الرسوم بهللات “معدودة” للكيلومتر الواحد!! انتهى حديث معالي الوزير.

والدكتور السلوم من الشخصيات القليلة التي تدعم الرأي الآخر المخالف لتوجهاتها إذا وجد فيها إقناعاً وقد حققت معه (ولا أقول عليه) نصراً من هذا النوع عندما تزعمت باسم جريدة “الرياض” معارضة لتوجه الدكتور السلوم عندما كان وكيلاً لوزارة المواصلات وكان يريد للاستراحات الوسطية في طريق الرياض – سدير – القصيم ان تدخل من المسار الأيسر مباشرة دون وجود مخارج من الجهة اليمنى. وقد خططت ونفذت على هذا الأساس الخاطئ الخطير وتراجع د.السلوم بعد تحقيق أجرته “الرياض” وعارضه فيه بعض مسئولي السلامة في الوزارة ووضع لهذه الاستراحات مخارج جديدة سليمة.

في شأن رسوم الطرق لا أتوقع أدنى صعوبة في إقناع معاليه ان للهللات قيمة مؤثرة على عامة الناس، وخاصة محدودي الدخل منهم ممن تحاوشته الرسوم الهللية من كل حدب وصوب. ولا يمكن التقليل من شأن تأثير الرسوم على المستخدمين لمجرد حسابها بوحدة صغيرة هي وحدة الهللات خاصة وأن معاليه استخدم للمسافة وحدة صغرى أيضاً هي وحدة الكيلومتر الواحد ولم يقل هللات معدودة لكل ألف كيلومتر مثلاً.

الهللات سواء كانت (مع دودة) أو بدون دودة سوف تسبب “تقريصاً” مزعجاً للمواطن الذي أصبح عاجزاً عن الاستقرار في وضع جلوس مريح من كثرة الهللات “المعدودة” التي يضربها في آلاف وحدات القياس.

عدّاد الكهرباء الذي سبب صداعاً مزمناً للوطن والمواطن يقاس بالهللات المعدودة وسعر الدقيقة للهاتف الثابت والمتنقل ما هو إلا هللات معدودة (يا جماعة أكلنا الدود وأنتم تصرون على الهللات المع.. دودة!!).

إذا كانت هذه الهللات من القلة بحيث إنها لن تؤثر في المستخدم مهما كان وضعه المالي من الفاقه، فإن هذه الهللات بالتأكيد لن تنفع الدولة وربما لا تستحق تكلفة إنشاء مراكز التحصيل ورواتب موظفيها، وإن كانت غير ذلك فهي كثيرة ومؤثرة.

ثمة رسوم أولى بأن تحصل وأكبر فائدة ومردوداً مالياً وأكثر عدلاً، منها الرسوم على الأراضي البيضاء التي تشكل بهاقاً في وجه المدينة وتسبب عائقاً في طريق التنمية وحجر عثرة في طريق وصول الخدمات. ومنها الرسوم الجمركية على السجائر والتبغ عامة والتي طالبنا كثيراً بمضاعفتها.

وهناك قيمة الجزاءات والعقوبات على التجار المخالفين وكذلك المقاولين التي لا تصل إلى ربع ربح المخالف من مردود المخالفة، خاصة فيما يتعلق ببيع السلع الغذائية والدوائية منتهية الصلاحية.

رسوم الطرق ليست ضمن الأولويات وليست السبيل الأفضل لزيادة إيرادات الدولة، وإذا لم يبق إلا رسوم الطرق فمرحباً بالهللات مع الدودة.

مريض نفسي يخاطب مجلس الشورى

عطّل مريض نفسي أمس حركة السير في شارع الأمير سعود بن ناصر بن فرحان في حي (المؤتمرات) بالرياض بعد ان خلع ملابسه وبدأ في اعتراض السيارات.

هذا ما رصده حبيب الشمري وصوره فيصل المطيويع ونشرته “الاقتصادية” مدعماً بالصور يوم الاربعاء الماضي.

في قصصنا الشعبية، وفي “سباحين” جداتنا وفي بعض مسلسلاتنا العربية القديمة الهادفة كانت هناك مؤشرات واضحة إلى ان المريض النفسي فائق الحكمة والذكاء إلى درجة كبيرة جداً يصعب استيعابها، وقد يكون صمته انعكاساً لحقيقة ان تفكيره يفوق بكثير من حوله إلى درجة انه لا ينزل لمستواهم بالحديث فيفضل التعبير بطريقته الخاصة، وإذا نطق فانه ينطق بحكمة وبعبارة مختصرة جداً.

هذا المريض النفسي الذي اختار حي “المؤتمرات” مكاناً لخلع ملابسه واعتراض السيارات دون إيذاء أصحابها هل كان يريد توجيه رسالة إلى مجتمعه.

شخصياً تبنيت توجيه النظر إلى إهمال مجتمعنا ومؤسساتنا الصحية للمرضى النفسيين في هذه الجريدة واسعة الانتشار وبعناوين ملفتة للنظر اولها كان “المجانين يا أولي الألباب” منذ عدة سنوات وآخرها منذ ايام قليلة بعنوان “نصف الصحة المهمل”، ومن المؤكد أنني لم أتفق مع ذلك المريض للقيام بما فعل وإن كان تأثيره أقوى من كل ما كتب ولكن هل يؤثر في القائمين على الصحة والشئون الاجتماعية وهل كان يوجه رسالة حكيمة؟!

هل اختار حي المؤتمرات ليذكر بضرورة عقد مؤتمر يوجه للاهتمام بالمرضى النفسيين في الدول العربية وخاصة في المملكة التي اهتمت مؤسساتها بجميع الامراض العضوية وأهملت النفسية، لأن الذين يعانون منها من فئة لا تمدح في الصحف!!

هل اختار الحي لقربه من مجلس الشورى مستنجداً بالأمل الأخير!! علهم يتشاورن حول تزايد حالات الاكتئاب والفصام والأمراض النفسية الاخرى واهمالهم التام من قبل وزارتي الصحة والشئون الاجتماعية.

هل كان انتقائياً في اختيار السيارات التي يعترضها لذلك اختار أنواعاً فخمة علها تحمل صانع قرار، ام انه يقصد ان صاحب “الخردة” زميل نفسي قادم.

لو حدث وعقد مؤتمر من هذا النوع أو ناقش مجلس الشورى معاناة المرضى النفسيين، وهو الذي اعتاد ان يستدعي ممثلين للفئة المتضررة فمن سيمثل المرضى النفسيين ليقول لأملهم الأخير انهم لا يعالجون بطريقة صحيحة ولا توفر أدويتهم ولا تدرس حالاتهم وأسبابها ولا يوجد لدينا حالياً جهة مؤهلة للتعامل مع هيجانهم، بل عندما هاج مجموعة منهم في مستشفى متخصص “لوحة فقط” “مستشفى الصحة النفسية بالرياض” استدعي الدفاع المدني لرشهم بالماء يعني “يطفونهم” وتم اخمادهم فعلا على مرأى من القائمين على الصحة آنذاك، الحجيلان والسويلم وعدد من الأصحاء، ولم يبعث ما حدث على لفت النظر للقصور في رعاية نصف الصحة المهمل.

فهل تصل رسالة مريض حي المؤتمرات؟! أم ان حكمته لم تجد من يستوعبها بعد، رغم أننا أصحاب المثل القائل “خذ الحكمة من أفواه المجانين”.

ثغرة المعروف والمنَّة والانتفاع

المعلومة غير جديدة، لكنها متجاهلة منذ زمن طويل، وهي أن سن الأنظمة والإجراءات الدقيقة والشاملة والمرنة والإعلان عنها وتطبيقها في كل مجالات الحياة يلغي تماماً الحاجة إلى وسيط أو شفيع أو خطاب توصية.

فإذا كانت الإجراءات معروفة ومرنة والمتطلبات واضحة ومعلنة ولا تشترط وجود خل وفي، ولن تشترط عندما تكون معلنة فإن صاحب الحاجة يكاد يرى معاملته عبر زجاج شفاف تسير في الطريق الصحيح طالما أنه أكمل الاحتياجات النظامية.

لماذا نستشهد بالدول الغربية حيث معظم الإجراءات تتم عن طريق البريد ودون واسطة أو استثناء أو منّة؟! إن لدينا مثالاً إدارة الجوازات التي تحولت بين عشية وضحاها من اسوأ أمثلة البروقراطية والازدحام والتدافع وبطء الإجراءات وضياع المستندات وأكبر سوق لتجارة “التعقيب” وأوسع قناة لكسب المعروف وممارسة المنّة إلى أكثر الأنظمة الإدارية وضوحاً في المتطلبات وسلاسة وسهولة وهدوء في الاجراءات “ما عليك إلا تعبئة الاستمارة ودفع الرسوم وتستلم غداً”.

ترى لو طبقت تجربة إدارة الجوازات على جميع الإجراءات الحكومية فما الذي سيضيرنا؟!

أقصد وضوح الشروط والمتطلبات واختصار الإجراءات وتقليل الورق والمرفقات وشفافية مسار المعاملة أو الطلب فمن الذي سيكسب ومن هو الخسران؟!

سيكسب المراجع توفير الوقت والجهد وتلافي سفك ماء الوجه، وسيكسب الوطن مزيداً من الهدوء والشعور بالإنصاف وارتفاع معدل العطاء لأن موظفاً غير مشغول بمراجعات واتصالات وبحث عن واسطة هو موظف أكثر إنتاجية.

أما من سيخسر فهو كل كسبان من تلك التعقيدات والمعوقات سواءً في شكل رشوة أو منّة أو كسب علاقات شخصية إلى جانب من يعيشون على تبعات تلك البيروقراطية والفوضى ومن أمثلتهم المعقبون.

ثمة إجراءات حكومية كثيرة جداً لاتزال ترضخ تحت بطء التنفيذ بل توقف المسار إلا إذا وجد من يدفعه، رغم أن الدولة عندما أوجدت هذه الخدمات أو تلك المنح أو الميزات أو العطاءات كانت تهدف إلى استفادة المواطن منها بأسرع وقت ممكن وأيسر سبيل.

وأعتقد أن استمرار تعقيد وبطء وقفل مسار بعض الإجراءات ربما يكون مقصوداً أو مقبولاً بارتياح من فئة يسعدها بقاء ثغرة لكسب المعروف والمنّة على المواطن، وفئة أخرى يهمها بقاء هذه الثغرة لتحقيق مكاسب مادية من تعقيب، وسعي وخلافه.

أعتقد أنه آن الأوان لينعم المواطن بما يقدمه له وطنه من مميزات وخدمات ومنح ومخصصات دون منّة من وسيط أو شفيع.

لابد من توضيح وإضفاء مرونة على مسارات عدة منها أحقية العلاج في المراكز المتقدمة والحق في الحصول على مخصصات الرعاية الاجتماعية والحصول على منح الأراضي والعادات السنوية لمستحقيها وأن تكون هذه المسارات من الشفافية والوضوح والسهولة بحيث تحفظ ماء وجه المستفيد وتقفل ثغرات المنّة والانتفاع.

وزارتا العمل والصحة والعود

تطرقت يوم أول أمس السبت في هذه الزاوية إلى صور إهمال ضحايا الأمراض النفسية وإهمال تخصص الطب النفسي بصفة عامة. ولأن المساحة لا تستوعب ولو جزءاً يسيراً من ألبوم صور الإهمال تلك فقد اكتفيت بإيماءة سريعة إلى واحد من أغرب الإجراءات وهو تحويل بعض المرضى النفسيين من مستشفى الصحة النفسية إلى دار الرعاية الاجتماعية “دار العجزة”.

هذه الخطوة الغريبة، القديمة، المستمرة، تستحق أكثر من وقفة وأكثر من زاوية وأكثر من مجرد محاسبة.

بالرغم من عدم وجود أدنى علاقة أو تشابه بين دار الرعاية الاجتماعية ومستشفى الصحة النفسية، باستثناء أن كلاً منهما يستخدم الأسرّة في التنويم، وبالرغم من عدم وجود أدنى علاقة أو تشابه بين المريض النفسي والمسن، باستثناء أن كلاً منهما يمكن أن يهذي دون أن يدافع عن نفسه أو يشتكي. أقول بالرغم من عدم التشابه إلاّ أن وزارة الصحة قررت نقل عدد من نزلاء المصحات النفسية لدور العجزة!!

هذا القرار ليس سياسياً ولا صحياً ولا اجتماعياً إنه مجرد قرار ارتجالي يعود تاريخه إلى أكثر من خمس عشرة سنة، وأجزم أن من اتخذه ومن وافق عليه يحمل في ميزانه ازر تلك السنوات إلى اليوم بمعدل تراكمي يفوق الإمتياز!!

اجتمع نفر من وزارة الصحة مع نفر من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لبحث “التخفيف” على مستشفى الأمراض النفسية “كما يسمى آنذاك” بنقل بعض نزلائه إلى دور العجزة!! وقد قاوم وفد ممثلي وزارة العمل هذا الطلب بكل ما أوتوا من قوة، ويبدو أن الوفد كان إلى الضعف أقرب، أو أن وفد الصحة حقنهم بمخدر قوي وسريع المفعول فحصلت الموافقة بعد وعد قاطع من وزارة الصحة بتزويد دار العجزة بعدد من الممرضات المتخصصات والأطباء وكم كبير من الأدوية النفسية مع دفعة المرضى النفسيين واقتنع وفد العمل على مضض دون أن يحسب أدنى حساب لمصير المسن الصحيح نفسياً عندما يهيج جاره المريض النفسي.

وصلت أفواج المرضى بلا ممرضات ولا أطباء ولا أدوية وحتى لا أظلم وزارة الصحة سأذكر أنهم أرسلوا عدداً من عاملات النظافة في شكل ممرضات.

كنت آنذاك شبه نزيل للدار في شكل محقق صحفي أتبع لجريدة الجزيرة وأتحدى أن يعرف التفاصيل أحد أكثر من مدير الدار آنذاك الأستاذ عبدالرحمن التويجري وأنا.

مات أحد المسنين من نزلاء الدار مقطعاً بموس حلاقة لمريض نفسي، وأسر لي عدد من المسنين الأسوياء خلقاً ووعياً وعقلاً أن بعض المرضى النفسيين يزعجون مضجعهم ليلاً ويؤذونهم في الفراش!!

أحداث مؤلمة وأخرى يندى لها الجبين نشرت بعضاً منها في حينه.

القرار التاريخي الظالم لايزال ساري المفعول رغم تغير أكثر من وزير للوزارتين!! ورغم أنه خلال هذه المدة تخرج مئات “الدكاترة” في علم النفس وعلم الاجتماع!! أتدرون لماذا لأن الفئة المتضررة لا تخرج من الدار إلاّ إلى الدار الآخرة!! ونداءات القائمين على دار الرعاية في هذا الصدد تصطدم بعدة حواجز بيروقراطية إلى أن “تبنط” في واحد وتعود إلى الدار!!

مشكلة وزاراتنا المتعددة أن بينها مناطق اشتراك في بعض الأمور، وتعيس الحظ من يقع مصيره في مناطق الاشتراك تلك، لأنه وكما يبدو فإن كل وزارة تستمتع حتى الثمالة بعملية قذف المسؤوليات على الوزارة الأخرى. أتذكرون لعبة الوادي المتصدع وكيف ضاع دمها بين قبائل الوزارات الثلاث؟! هذا ما يحدث في كل أمر مشترك!!

وإحقاقاً للحق فإنني لا أجد أدنى اشتراك بين وزارة العمل ووزارة الصحة في أمر المرضى النفسيين سوى أن منسوبي العمل وقعوا في شراك الصحة وأوقعوا معهم المسنين!! فهل من همام يحل هذه الأزمة المخجلة؟!

شخصياً اقترح عقد اجتماع قمة بين الوزارتين في “العود” بين قبور المسنين، لعلهم “يحللونهم” ولعلهم يتذكرون أن الدنيا فانية إلاّ من عمل صالح يتمثل في حل أزمة من لا نصير لهم ولا حيل ولا قوة.

مستشفيات الأمل ترفض التائبين!!

في الحرب الضروس التي نخوضها للقضاء على آفة المخدرات لابد من توازن دقيق بين ثلاثة محاور بالغة الحساسية: محور محاربة التهريب والترويج ومحور التوعية بالخطر ومحور علاج المدمن، وما لم يتحقق هذا التوازن والتناغم فإن العملية برمتها ستتعرض لخلل يجعل أمد الحرب يطول وترتفع معه أعداد الخسائر البشرية.

الواضح أننا نجحنا في المحورين الأولين، بل ركزنا عليهما بشدة وتركنا محور العلاج لاجتهادات قطاعات مختلفة فأصبح العلاج لا يستطيع مجاراة محاربة التهريب والترويج وعنصر التوعية وأصبحت النتيجة أن أعداداً كبيرة من المدمنين يقبلون على مستشفيات الأمل فلا يجدون الفرصة للخلاص من مشكلة الإدمان التي اقتنعوا بخطورتها!!

لابد لنا من الاعتراف بأن السعة الاستيعابية لمستشفيات الأمل لم تقدر بناء على دراسة دقيقة لعدد من سيقبلون عليها، أو أن التقدير لم يأخذ في الاعتبار قوة محوري وقف الإمداد والتوعية مقارنة بالعلاج أو أن الدراسة لم تكن متفائلة بالقدر المطلوب أو أنه لم يكن هناك دراسة أصلاً، المهم أن المستشفيات لا تستوعب أعداد التائبين والراغبين في العلاج.

الدلائل التي تشير إلى حقيقة قلة القدرة الاستيعابية كثيرة جداً، ومنها أن المستشفى يعتذر بعدم وجود سرير لأعداد من الراغبين في العلاج والدلالة الأخطر أن المستشفى بدأ في تغيير سياساته وإجراءاته للتنويم حسب توفر الأسرة، ففي البداية كان التنويم لكل من يعاني من الإدمان ويرغب الخلاص، ثم أصبح التنويم لمن تكون نتائج تحاليله إيجابية لأي نوع من المخدرات ثم أصبح التركيز في التنويم على النتائج الإيجابية للأنواع الخطيرة جداً وذات أعراض الانسحاب الشديدة أما خلافها فإنه حتى لو كانت النتيجة إيجابية فإن المدمن يتم إخراجه في نفس اليوم أو الساعة بحجة أن حالته مستقرة.

أصبح الأب يعاني الأمرين في إقناع ابنه بالدخول إلى المستشفى فإذا اقتنع ودخل المستشفى بعد معاناة شديدة وخجل وخوف من مواجهة غيره ومعرفتهم له وجد أن كل ما في الأمر هو تحليل ثم خروج رغم النتيجة الإيجابية.

إن مهمة هذه المستشفيات بالنسبة لمن خالط المخدر دمه ليس مجرد صرف الدواء وإرجاع المريض للمنزل، والأطباء يعرفون ذلك جيداً، لكن لا حيلة لهم فسعة المستشفى لم تحسب على أساس العدد المحتمل أو نصفه وهذا ليس بمستغرب على دراساتنا فحتى أعداد الولادات المحتملة لم تحسب بطريقة صحيحة فأصبحنا نعاني من رفض حالات الولادة في المستشفيات وتشديد شروط القبول فما بالك بالمخدرات.

أتمنى أن تقدر ميزانية إنشاء المستشفيات على أساس قيمة الإنسان ومقدار الخسارة في فقده، وعلى تقدير لنتائج بقائه مدمناً وما سيكلفنا ذلك من هدر وارتفاع لمعدلات الجرائم ونتائجها المتفاقمة وما يترتب عليها من آثار نفسية واقتصادية واجتماعية وأن نتذكر أننا ضيعنا عشرات السنين التي تعاملنا خلالها مع داء المخدرات بصمت وتكتم حتى تفاقم عندها سيكون تقديرنا للعدد والسعة المطلوبة والتوزيع الجغرافي لمستشفيات الأمل أكبر بكثير مما هو عليه الآن.

إذا أردنا توازناً في محاور الحرب على المخدرات فإن علينا أن نركز على محور العلاج حتى لو كان الأكثر تكلفة وأن نبني القرار على أساس إحصائي وليس على أساس اجتهادات، وأن يكون التحرك جماعياً ككتلة واحدة وليس عبر قنوات مختلفة تخضع لتباين قدرات ونشاط كل قناة وهو ما نعاني منه الآن من تكثيف التوعية وتقشيف العلاج حتى باتت قناة التوبة من الإدمان تضخ المئات وقناة العلاج لا تستوعب العشرات.

الخدمة الاجتماعية الغائبة

لأن تطورنا أعرج أو منبعج، فإن كثيراً من التخصصات لا تزال مهملة، لم تحظَ بالقدر الأدنى من الاهتمام الذي تستحقه والذي تجده في مجتمعات تتطور بتوازن، دون عرج أو إنبعاج.

الخدمة الاجتماعية، مجال يكاد يكون مهملاً تماماً رغم أهميته وحيويته، فهو موجود غائب، موجود كاجتهادات فردية، موجود كلوحة على أبواب أقسامه، لكنه غائب ضمن قائمة الأولويات وغائب ضمن جدول الأهمية، حاضر في مواقع محدودة ومعدوم التواجد في حوادث هي بأمس الحاجة إليه.

مجال الخدمة الاجتماعية في حاجة ماسة إلى مخرجات متخصصة في حاجة إلى الاعتراف به كتخصص هام وكمهنة لا يمارسها إلا متخصص أو متخصصة من ذوي التأهيل والتعليم المستمر والخبرة الطويلة والصحة النفسية والإبداع والقدرات ونحن نتعامل معه على أساس أنه ملاذ من لم يجد وظيفة ومقر من يريد أن يستقر دون تطور، فنوظف فيه أي خريج!!.

الخدمة الاجتماعية لدينا تقوم بجزء من الدور المطلوب في المستشفيات والجمعيات الخيرية وبعض مؤسسات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ولكنه دور محدود لا يرقى لأهمية هذا المجال وخاصة في هذا الوقت بالذات حيث تزداد حاجة الافراد لمن يقف بجانبهم اجتماعياً ونفسياً في وقت ازداد فيه انشغال الناس وابتعادهم عن أقاربهم وجيرانهم وكلما زاد هذا التباعد، زادت الحاجة إلى الأخصائية والأخصائي الاجتماعي المؤهل، المحب لمهنته، القادر على القيام بأعبائها وتحمل مشقتها.

الخدمة الاجتماعية ليست مجرد الإقناع بقبول غرفة مشتركة في مستشفى أو دراسة حالة اجتماعية لأسرة لمعرفة استحقاقها للضمان الاجتماعي أو التنسيق لتوفير جهاز لمريض أو إقناعه بعدم الحاجة لمرافق. إن هذه الخدمات جزء من مسؤوليات أعظم وأوسع وأكثر أهمية ومع ذلك نهمل الأهم ونركز على الجزء.

أين الخدمة الاجتماعية في حالات الحوادث، حيث الأقارب في أمس الحاجة إلى من يقف معهم ويواسيهم ويطمئنهم؟! أين الخدمة الإجتماعية في حالات الكوارث، عندما تكون عدد من الأسر قد فقدت عزيزاً ولا أقول عائلاً، لأن علاج الفقر ليس المجال الوحيد للخدمات الاجتماعية كما هو الحال لدينا فقد تتأثر أسرة غنية وتنهار نفسياً وتفشل اجتماعياً بسبب غياب دور المتخصص الاجتماعي مع توفر النقود.

خلال وبعد حادث 11سبتمبر مثلاً قارب عدد الأخصائيين والأخصائيات الاجتماعيين عدد رجال المطافي وهذا من شأنه التقليل من النتائج السيئة التي تلي الحادث نفسه ورواسبه الاجتماعية التي قد تستمر طويلاً وتتفاقم. بينما شهدنا عدداً من الحوادث الجماعية وحوادث الفقدان وخاصة بسبب السيول وحوادث السيارات ووفياتها الجماعية ولم يشهد أي منها تواجداً للمتخصص الاجتماعي، لعدة أسباب أهمها عدم إدراج هذه الخدمة ضمن خدمات الطوارئ ومباشرة الحوادث.

أرجو أن لا يخرج علينا مدافع أو مدافعة مدعياً أن الأخصائي الاجتماعي يتواجد في غرفة الطوارئ لأن الواقع أنهم لا يناوبون ليلاً وغرف الطوارئ تشهد من حالات الانهيار العصبي العديد من المآسي التي يتحملها رجال الشرطة غير المدربين أو المتخصصين!!.

الخدمة الاجتماعية ليست طبقاً خيرياً أو سوقاً خيرياً فهذا المجال يحتاج إلى إعادة هيكلة تعتمد على شمولية مجالاته وتزايد الحاجة إليه، فنحن في أمس الحاجة لتواجد هذا المتخصص عند كل حادث وبعد كل جريمة وفي داخل كل منزل أدمن أحد أفراده على المخدرات أو ضرب الزوجة أو إساءة معاملة الأطفال أو إدمان المسكر وفي كل منزل فقد غالياً أو أهمل مسناً، فعلاج الأسباب والنتائج أهم من العلاج الوقتي للمشكلة.

كما أن هذه الخدمة في حاجة للدعم المالي السخي وتيسير الموارد مع وضع رقابة ومراجعة مالية دقيقة للمصروفات فمن الملاحظ إسراف بعض الإدارات في حفلات لا علاقة لها بمشكلة أو جزء من حل في وقت يحول فيه شح الموارد عن قيام القسم بواجباته ولعل فصل الشؤون الاجتماعية عن العمل يبدو ضرورياً للحفاظ على مجتمع صحيح، ودون إعطاء هذا المجال الحيوي حقه علينا أن لا نتساءل عن أسباب زيادة حالات الانتحار، فقلة الوازع الديني سبب رئيسي وإذا صاحبه غياب الناصح المتخصص المدرب أصبح الخطر أكبر.

لنوزّع هذا الشريط!!

منذ ما يزيد على خمسة عشر عاماً أجريت تحقيقاً صحفياً عن دار الرعاية الاجتماعية “العجزة” نشر على ثلاث صفحات ليحكي واقعاً مريراً من العقوق للوالدين والكبير من الأشقاء والشقيقات، شعرت وأنا أسمع قصصهم بأسى عظيم لازمني عدة سنوات كنت خلالها أزورهم كل خميس وأذكر ان أحدهم وهو شيخ في كامل قواه العقلية والبدنية، يحفظ القرآن والشعر ويستطيع العيش بنشاط بل والعمل، لو لم يحبس في الدار، أودعه شقيقه الدار لأن زوجة الشقيق لا تريده في المنزل وعلمت من زياراتي له بعد النشر أن شقيقه حضر ووبخه لأنه تحدث للجريدة. وكان كلما هرب يقتات على ما يرميه الناس أو يتصدقوا به عليه أو يدعوه لتناوله في منزلهم وكلما علم شقيقه قبض عليه وأعاده للدار حفاظاً على سمعته!!

أما الآخر فأودعه أبناؤه الثلاثة الدار على انها مستشفى العيون ومكث فيها خمس سنوات لم يشاهدهم ومات وهو يدعو عليهم.

كان هذا منذ خمسة عشر عاماً ويبدو أن الحال قد ازدادت سوءاً، فقد سمعت شريطاً لخطبة الشيخ ابراهيم الحارثي بعنوان “حب يتدفق” يتحدث في بدايته عن عمق حب الوالدين لأبنائهم ويسرد قصصاً إعجازية في هذا الصدد وقبل أن أنقل مختصراً لهذه الخطبة القيمة أقترح على دار الرعاية الاجتماعية أن توزع نسخاً منه على أقرباء نزلاء الدار وأجزم، إن كان بقي ذرة من ضمير انه سيستيقظ. يقول الشيخ ابراهيم الحارثي: جاء في بعض الكتب أن أمية الكناني رجل من سادات قومه وكان له ابن اسمه كلاب هاجر إلى المدينة في خلافة عمر رضي الله عنه فأقام بها مدة ثم لقي ذات يوم بعض الصحابة فسألهم أيما الأعمال أفضل في الإسلام فقالوا الجهاد فذهب إلى عمر يريد الغزو فأرسله عمر في جيش إلى بلاد الفرس فلما علم أبوه بذلك تعلق به وقال لا تدع أباك وأمك شيخين ضعيفين ربياك صغيراً حتى إذا احتاجا إليك تركتهما فقال أترككما لما هو خير لي ثم خرج غازياً بعد أن أرضى أباه فأبطأ في الغزو وتأخر وكان أبوه وأمه يجلسان يوماً في ظل نخل لهم وإذا حمامة تدعو فرخها الصغير وتلهو معه وتروح وتجيء فرأها الشيخ فبكى فرأته العجوز يبكي فبكت ثم أصاب الشيخ ضعف في بصره فلما تأخر ولده كثيراً ذهب إلى عمر رضي الله عنه ودخل المسجد فقال والله يا ابن الخطاب لئن لم ترد علي ولدي لأدعوّن عليك في عرفات فكتب عمر رضي الله عنه برد ولده إليه فلما قدم ودخل عليه قال له عمر ما بلغ من برك لأبيك قال كنت أوثره وأكفيه أمره وكنت إن أردت أن أحلب له لبناً أجيء إلى أغزر ناقة في ابله فأريحها واتركها حتى تستقر ثم أغسل أخلافها حتى تبرد ثم أحلب له فأسقيه فبعث عمر إلى الرجل فدخل على عمر وهو يتهاوى وقد ضعف بصره وانحنى ظهره فقال له عمر رضي الله عنه كيف انت يا أبا كلاب قال كما ترى يا أمير المؤمنين فقال ما أحب الأشياء إليك اليوم؟ قال ما أحب اليوم شيئاً ما أفرح بخير ولا يسوؤني شر فقال عمر فلا شيء آخر قال بلى أحب أن كلاباً ولدي عندي فأشمه شمّة واضمه ضمّة قبل أن أموت فبكى عمر رضي الله عنه وقال ستبلغ ما تحب إن شاء الله ثم أمر كلاباً ان يخرج وأن يحلب لأبيه ناقة كما كان يفعل ويبعث بلبنها إليه فقام ففعل ذلك ثم جاء وناول الإناء إلى عمر فأخذه رضي الله عنه وقال اشرب يا أبا كلاب فلما تناول الإناء ليشرب وقربه من فمه قال والله يا أمير المؤمنين اني لأشمّ رائحة يدي كلاب فبكى عمر وقال له هذا كلاب عندك وقد جئناك به فوثب إلى ابنه وأخذ يضمه ويعانقه وهو يبكي فجعل عمر رضي الله عنه والحاضرون يبكون ثم قال يا بني الزم ابويك فجاهد فيهما ما بقيا ثم اعتن بشأن نفسك بعدهما..

دور العجزة الدور التي يوضع الكبار والعجائز بها ليجدوا الرعاية والأمان حتى يتوفاهم الموت فإذا كانت هذه الدور لمن لا معين له ولا ولد له فحيا هلا وانعم بها من مكان أما إذا كانت لمن تخلى عنهم أبناؤهم وأرسلوهم إلى تلك الدور تخلصاً من المسئولية وتفريطاً في حق الأبوين الكريمين وتضييعاً للبر والوفاء فلا وألف لا.. وما ينبغي السكوت على من فعل ذلك بأبويه أو بأحدهما ووالله لو كان لي من الأمر شيء لأنزلت بالعاقين الجاحدين أشد العقاب ولجعلتهم عبرة لكل من تسوّل له نفسه ان يعمل ذلك والحقيقة ان تلك الدور بكل أسف تمتلئ بالمنكسرين والمحبطين من الآباء والأمهات الذين تخلى عنهم أبناؤهم وألقوهم في تلك الدور يجترون الذكريات الحزينة في جو كئيب موحش يمتلئ بالغدر والجحود ونكران الجميل ترى كيف يعيش ذلك الأب وتلك الأم بعيداً عن الذين أفنوا أعمارهم وهم يحوطونهم بالرعاية والحب؟! كيف استطاع أولئك الجاحدون ان ينتزعوا مشاعرهم وعواطفهم من قلوبهم ويلقوا بأغلى وأعز وأحب الناس في غياهب دور العجزة؟! هل هذا من الوفاء أو من البر؟! هل هذا من الشكر الذي قرنه الله بشكره في قوله {ان اشكر لي ولوالديك} يقول ابن عباس رضي الله عنه من شكر الله ولم يشكر لوالديه لم يقبل الله منه عملاً هل هذا من الإحسان الذي اوجبه الله في قوله {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين احسانا}.

ثم راح الشيخ يسرد مواقف من العقوق يشيب لها الرضيع.

مرضى بحقوق مهملة

قد يخفى على كثير من المواطنين بل غالبيتهم أن من حقهم حسب النظام، ودون منة أو أذى، أن يعالجوا في أي مستشفى متقدم في المملكة حتى لو لم يكن المريض عاملاً في القطاع الذي يتبعه المستشفى.

يمكنك أن تراجع وتعالج وتنوم في مستشفى الملك فيصل التخصصي أو مستشفى الملك فهد للحرس الوطني أو المستشفى العسكري أو مستشفى الأمن العام أو أي مستشفى آخر، دون الحاجة للحصول على خطاب استثناء أو واسطة أو دفع نقود حتى لو لم تكن تعمل في أحد القطاعات التي يرجع إليها المستشفى المتقدمة “وهذا ليس من الأحلام أو الأمنيات”.

إن النظام والتعليمات المشددة يؤكدان على ضرورة قبول المرضى من المواطنين الذين يعانون من أمراض خطيرة وحرجة في أي مستشفى متقدم في المملكة، حتى لو كان المستشفى لا يقبل إلا موظفي القطاع الذي يتبعه ودون أي استثناءات إدارية فالقرار طبي بحت، وتلافياً لسوء الفهم بقصد أو بدون قصد فقد حددت الأمراض المقصودة بسبعة أمراض هي فشل الكبد، والفشل الكلوي، والأمراض السرطانية، ومضاعفات مرض السكر، وأمراض القلب ومرض الإيدز، والأمراض الاستقلابية أو المناعية.

المصاب بأحد هذه الأمراض، شفاه الله، من حقه العلاج مباشرة في أي مستشفى دون استجداء أحد، أو التوسط بأحد، كل ما يحتاج إليه هو تقرير طبي من المركز الطبي الذي اكتشف حالته أو مستشفى القرية أو المدينة التي يقطنها. يقدمه إلى أي مستشفى متقدم ليتم تقييم حالته من قبل طبيب مختص في الحالة ويبدأ في العلاج أو أي إجراء يتطلبه وضعه الصحي.

السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو لماذا لم تتم توعية المواطن وتعريفه بهذا الحق بصورة مكثفة؟!.

ولماذا يترك مريض بأحد الأمراض السبعة الخطيرة يموت لأنه لا يعلم أن من حقه أن يحصل على علاج هذا المرض في أي صرح طبي وفره له بلده دون أن يستجدي أحداً وبمجرد طلب تقرير هو من حقه أيضاً.

إن هؤلاء المرضى يتكبدون كل صنوف العناء والمراجعات للحصول على “خطاب استثناء” هم في غنى عنه ولا يحتاجون إليه، لو عرفوا بالنظام والأوامر الصريحة في هذا الصدد.

إنهم يتعرضون للمنة وكسب الجميل من قبل من يسعى لهم في استثناء وهم مستثنون أصلاً دون منة!!.

حتى بعد إحضار خطاب الاستثناء فإن المريض سيطلب منه تقرير طبي يبين شكواه، وعندما يكون مرضه أحد الأمراض السبعة المذكورة أنفاً فإن كل ما كان يحتاجه هو ذلك التقرير وكل ما سبقه من جهد وعناء ومنة للحصول على جرة قلم ما هي إلا فصول من مسرحية “أنت في حاجتي دائماً”.

كان الجدير بوزارة الصحة وهي تردد عجز إمكانياتها المالية عن تشييد المستشفيات المتقدمة بالقدر المطلوب أن تكثف توعية المواطن بحقوقه على مستشفيات القطاعات الأخرى وأن تنتشله من الغرق في هم البحث عن وسيط!!.

إن بإمكان معالي وزير الصحة، الذي لا نشك بحماسه وحرصه، دون الحاجة إلى مال أن يسخر نفوذ الوزارة لاستغلال إمكانيات القطاعات الأخرى تحت مظلة الأنظمة الواضحة والأوامر الصريحة من ولي الأمر وذلك بالتوعية بالأنظمة مثل النظام المذكور وفتح قنوات متعددة لاستقبال الشكاوى في هذا الصدد.. وهذه الفرص تفوت على الوزارة في ظل المشاغل الجمة لمعالي الوزير وغياب التجديد في دماء المستشارين.،

ملكية الصيدلية رحمة بالمريض

أخذت عهداً على نفسي عند كتابة هذه الزاوية أن أخلع غترة الصيدلة التي أحبها “ولا أقول قبعة لأننا نفخر بالغترة ولا نلبس القبعة”، أخلع غترة الصيدلة حتى لا أستغل هذه المساحة في الانحياز لمهنتي التي أعشقها حتى النخاع.

وعندما أكتب عن ضرورة أن تقتصر ملكية الصيدلية على الصيدلي، فليس ذلك خروجاً على العهد لأن هدف هذه الدعوة هو المريض بالدرجة الأولى.

إن الصيدلة كمهنة هي خط الحماية الأحمر والأخير للحيلولة دون استغلال شغف المريض بالشفاء العاجل وتعريضه لخطر مركبات كيميائية قد تنقلب إلى سموم فتاكة إذا لم يقنن تداولها، وتقنين هذا التداول لا يمكن أن يدركه تاجر لم يدرس هذه المهنة ويسبر غور هذه المركبات ويفرق بين تعاطيها لحاجة أو الافراط في تعاطيها بسبب استغلال تجاري.

ليس شرطاً أن نفترض سوء النية أو استعجال الربح وسلوك الغش في التاجر أو المالك من غير الصيادلة لكي نطالب باقتصار الملكية على الصيدلي ولكن دعونا نعتبر الجهل بالبضاعة هو سبب اساءة صرفها.

صحيح أن المالك ليس هو من يصرف الدواء، لكنه هو من يملك السلطة النافذة على مكفوله الصيدلي المتعاقد.

وهنا، شئنا أم أبينا، لابد أن نعترف أن لنا وضعاً خاصاً يتمثل في ضعف المكفول إى حد استجابته لرغبة الكفيل في الكسب، بل ربما إلى درجة عدم القدرة على توضيح الخطر من واقع حس مهني، ولذلك فإن مالك الصيدلية لابد أن يكون ممن درسها جيداً، وغرست فيه اخلاقياتها وأدرك خطورتها وعرف كيف ينجح في تجارتها دون التنازل عن مبادئها.

إذا كان هذا المطلب “ملكية الصيدلية للصيدلي فقط” بناء على ما سبق ذكره اصبح ضرورة على افتراض حسن نية المالك غير الصيدلي وأن ممارساته الخاطئة قد تحدث لجهله بخطورة بضاعته فكيف هو الحال اذا وجد من لا يحسن النية ولا يعنيه غير نجاح تجارته دون مجرد التفكير فيما سيحدث للمشتري؟! ولنا عبرة بما حدث من بيع مواد غذائية منتهية الصلاحية مع سبق الإصرار والترصد.

ماذا ستقول لمالك أرغم مكفوله الصيدلي على صرف كميات كبيرة من أدوية تسبب تلفاً للكبد أو الكلى أو الإضرار بالصحة عموماً إذا احتج بأنه كان يجهل خطورتها، ستقول: إن القانون لا يحمي المغفلين.. وسنقول لك: لماذا تجعل صحة المريض الشغوف بالشفاء عرضة لرغبات مغفل؟!

أما أولئك المشغوفون بتقليد أمريكا ممن يحتجون بأن سلسلة الصيدليات في الولايات المتحدة الأمريكية تتبع لشركات فإن حجتهم مردودة عليهم.. ففي أمريكا لا يستطيع كائن من كان أن يتدخل في عمل الصيدلي!!، ولو حدث ذلك فإنه سيحاكم وسيدفع من التعويضات ما يفوق رأس ماله!! وفي أمريكا رقابة صارمة على الوصفة رقابة ذاتية وأخرى من الجهات الرقابية، ولعل غرفة الملفات في صيدلية أمريكية تعادل حجم الصيدلية لدينا مرتين.

ولذا فإننا لا نستطيع أن نقتبس جزئية صغيرة من القوانين والاجراءات ونحن لا نطبق متطلباتها الأساسية.

أما الدول الأخرى فإن ملكية الصيدلية فيها لا يمكن أن تتبع لغير الصيدلي بسبب التجارب المريرة التي عاشوها ويجب ألا نستمر في المعاناة منها.

وأخيراً فإنه ليس أدل على أهمية موضوع الملكية هذا من اهتمام معالي وزير الصحة به شخصياً وحرصه ومطالبته دوماً بأن تقتصر ملكية الصيدلية على الصيدلي وهو طبيب يعيش الهم الصحي للمواطن ومعاناته اليومية، وعلى الجهات التي تدرس هذا الطلب ألا تعتمد على آراء لأفراد أو حتى جماعات تحركهم المصالح الشخصية أو الأفكار السطحية ممن لم تطأ أقدامهم نار الواقع الحالي المؤلم.

كما أن أي دراسة لوضع صيدلاني لا تستنير برأي كلية الصيدلة “أم المهنة” تعتبر قاصرة.

هل يمكن لغير المحاسب أن يفتتح مكتب محاسبة، أو لغير المحامي أن يفتتح مكتب محاماة ولغير الطبيب أن يفتتح عيادة ولغير المهندس ان يفتتح مكتب استشارة هندسية؟! الصيدلي مهني مثله مثل هؤلاء لكن مهنته أخطر وأكثر ثغرات للاستغلال فلماذا يسمح لغيره بأن يشتغل بها؟!