الشهر: يونيو 2013

الخطر القادم

على المخضرم منا أن يقارن بين حالنا بالأمس وحالنا اليوم، ثم يتوقع النتائج ويحذر منها، خذ ــ على سبيل المثال ــ مجالسنا اليوم في المناسبات واللقاءات، بل حتى في الاجتماعات الأسرية، الصورة السائدة فيها هي لمجموعة أشخاص متقابلين لا يتحدثون مع بعضهم مطلقا، يحمل كل منهم جهاز هاتف ذكي موصولا بالإنترنت تتلاعب أصابعه بأزراره، متخاطبا كتابيا مع طرف آخر في مجلس آخر أو مع مجموعة من الأصدقاء في (قروب) محادثة، أو مغردا عبر تويتر.

جيل ما قبل الأيباد والأيفون والجلاكسي كان مختلفا تماما، كان يحضر المجالس والمناسبات واللقاءات والاجتماعات الأسرية ليستمع لتجارب وخبرات ونصائح من هو أكبر منه ولو بيوم وينقلها لمن يصغره ولو بيوم، كان يتحاور حول قضايا هامة، سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية ترفع من رصيده المعرفي، ويستمع لمواقف يبرز فيها الالتزام بالقيم والمبادئ ومواقف الرجال.

جيل اليوم يتحاور أيضا عبر تلك الأجهزة، لكنه حوار مختلف تماما في المضمون والطريقة، حوار يقوم على مشاهدة مقطع طريف مرسل للمجموعة أو كلام مشجع فريق يسخر من آخر، أو تبادل صور بعضها (يوسع الصدر) أو نشر (نكتة) مسلية، لكن المؤكد أنها في الغالب (باستثناء بعض تغريدات تويتر المقتضبة) ليست محادثات تستفيد من خبرات وتجارب سابقة وتبني رصيدا معلوماتيا مفيدا للمستقبل وقائما على تجارب كبار السن والخبراء والناجحين ورجال المواقف، مثلما كان يحدث في المجالس في السابق.

هذا (الانفصال) أو الهوة الواسعة بين تجارب الأجيال الناجم عن ظاهرة الصمت في المجالس سيؤدي إلى جيل لا يحمل أي رصيد معلوماتي متصل بمن قبله من الأجيال ولا تجارب مفيدة، وربما يفتقد لبعض القيم القائمة على الاقتداء والقدوة، والعاقل من يستدرك ويستعد لهذا الخطر القادم باستعادة عنصر التواصل الحي وإنعاش روح مجالس لا جوالات فيها بل تجول في التاريخ والمواقف والتضحية وتجارب الحياة القاسية التي قد تتكرر.

الصدمة الكبرى للسياحة الداخلية

سنصل للصدمة الكبرى للسياحة الداخلية، لكن دعونا نستعد تدريجيا بالتعرض للصدمات الخفيفة التي نعرفها وكنا نتلقاها تباعا.

في كل دول العالم السياحية ثمة سعر خاص بالمواطن في الفنادق وأماكن الترفيه، بدأ بطريقة واضحة ومكشوفة في مصر ــ مثلا، حيث يوجد شباك للسائح وشباك للمواطن وسعر مبالغ فيه للسائح وسعر معقول للمواطن، وكانت الحجة هي تذمر السكان المحليين من رفع السياح للأسعار. في دول أخرى، كان ذلك التمييز موجودا وما زال، لكن بطريقة أكثر مجاملة وتحت غطاء السعر الخاص لمكاتب السياحة الداخلية، حيث يحصل المواطن من مكاتب السفر والسياحة على سعر منافس يستغل جهل السائح بهذه الحقيقة.

في دول أكثر تقدما وحرصا على عدم التمييز، وخصوصا بعد أن أصبح خيار السائح واسعا ويتم عبر الشبكة العنكبوتية وببطاقة الائتمان، استحدث ما يعرف ببطاقات العضوية التي تحظى بتخفيض وترقية مرتبة وخلافه.

نحن لم ننعم قط داخليا بسعر للمواطن لا بالمكشوف ولا الخفي!!، ونحن لم ننعم قط بسعر خاص مخفض تحصل عليه من مكاتب السفر!!، بل إنني أذكر أن ملاك مكاتب السفر الكبار كانوا يشتكون من أن الخطوط السعودية والفنادق تمنحهم سعرا تقول إنه مخفض، وتمنح الراكب أو الساكن أقل منه!!، أي أنه لا يوجد تخفيض أصلا!!.

ونحن لم ننعم قط، وحتى تاريخه، بمميزات أي بطاقات عضوية أو تخفيض، حتى عروض البنوك التي تعلن عنها بالحصول على خصم عند الشراء ببطاقة التميز (بلاتيني، ماسية، ذهبية، فضية، أو حتى فوشي أو بيج) عندما تعرضها على المحل يرد البائع (شو بدك فيها؟! تكرم عينك أنا بعطيك خصم قدها مرتين!!، هي معمولة على السعر الأصلي هي بتضرك ما بتنفعك!!).

أما الصدمة الكبرى للسياحة الداخلية، فهي أنك تقصد فندقا في أبها أو الرياض أو جدة أو الباحة أو الطائف، فيمنحك سعرا خياليا في خانة الآلاف لليلة في غرفة صغيرة!!، فإذا شمرت عن لسانك وقلت (أريد السعر الذي حددته هيئة السياحة، ترانا فاهمين ما أحد يلعب علينا!!) يضحك الموظف، حتى تبين حشوات ضروسه الخلفية، ويخرج لك قائمة بتسعير هيئة السياحة تفوق ما عرضه عليك بمئات الريالات، وهو يقول تفضل يا فاهم يا إلي محد يلعب عليك!!).


من تخاطب وزارة الصحة بالضبط ؟!

الأغرب اليوم من أخطاء وزارة الصحة الجسام وخطوبها الجلل هو أسلوبها في الرد على تلك الأخطاء والدفاع عنها، فاستفزاز الرد، لا أقول يفوق الخطأ لأنها أخطاء لا يفوقها شيء، لكن استفزاز الرد يزيد من قهر الضحية وأهلها وأقاربها والمجتمع المتعاطف معها.

عندما يفوق حجم الإهمال والإخفاق كل التوقعات وكل درجات التشاؤم فيحقن العلاج الكيماوي في المريض الخطأ فإنك عندئذ تتحدث عن منظومة عمل خاطئة، ودعوني أحدثكم كصيدلي وباختصار شديد عن الخطوات الاحترازية البدائية التي تسبق قرار حقن العلاج الكيماوي (أيضا لا أقول حقن العلاج الكيماوي ولكن قرار إعطائه) في أي مستشفى فثمة تشخيص مبدئي (مكتوب) ثم تأكيد تشخيص (مكتوب) ثم تحديد لنوع العلاج الكيميائي ثم فحوصات مكثفة لقدرة المريض على تحمله ثم حساب للجرعة بناء على مساحة الجسم ثم حساب لقدرة أعضاء محددة كالكبد والكلى لإخراج تلك المواد الكيميائية الغريبة أو ما يسمى بـ(الآيض) ثم تحديد الجرعة بناء على ذلك وجدول تناولها، تتلوه مراجعة دقيقة للجرعة من الصيدلي وكل تلك الخطوات تتم بالتعامل بما يسمى التدقيق المكرر (دبل شيك) من كل الأطراف المعنية (طبيب معالج، وأخصائي مختبر أنسجة وصيدلي ثم ممرضة) وتعتمد المراجعة على مطابقة الاسم والرقم الطبي والعمر والوزن والتشخيص إلى آخر ذلك من سلسلة خطوات لا يمكن لمستشفى يعطي الكيميائي إلا ويطبقها.

فهل بعد كل هذا يأتي بيان حول إعطاء علاج كيميائي للمريض الخطأ فيحول طفلة سليمة بلون الورد إلى اللون الشاحب الرمادي ويتساقط شعرها بفعل تأثيرات جانبية معروفة للعلاج الكيميائي، ثم يتحاشى البيان كل ذلك الكم الهائل من الإهمال ويحول والد الطفلة إلى خصم ويذكر أن والدها هو من حلق شعرها؟!، أي قسوة وعدم اكتراث هذا؟!!.

في خطأ رهام حاول رد الصحة أن يقنع غير المختص أن فيروس الإيدز، الذي ينتقل عبر تلوث إبرة بنقطة، لم ينتقل بحقن نصف لتر من دم ملوث!!، والآن يتركون أخطاء جسيمة بهذا الحجم الذي ذكرناه ليقولوا (حلقها والدها!!) من تخاطب الصحة بالضبط ولماذا؟!!.

هيئة وجمعية حقوق إنسان لكل مواطن

حسب الأداء المنتقد لهيئة وجمعية حقوق الإنسان والمتمثل في مجرد التصريحات الإعلامية مع الحدث والتصوير صحفيا مع ضحايا القضايا فردا فردا، دون تحقيق أدنى إنجاز أو تقدم لترسيخ أطر حماية واضحة، بل دون النجاح في أية قضية أدعت الهيئة أو الجمعية الوقوف معها، فإن المؤشرات تشير إلى أن الهيئة والجمعية مجرد لوحة خلفية للتصوير مع القضايا سواء الاجتماعية أو قضايا ضحايا الإهمال الصحي أو المؤسساتي العام.

حتى في مجال الوقوف مع المواطن المتضرر من مؤسسة صحية أو وسيلة إعلامية فإن هيئة حقوق الإنسان أثبتت في أكثر من موقف أنها مخترقة أو مجاملة أو تخشى الإعلام فتعد بتبني قضية ثم تتردد وتحنث في وعدها لمجرد خوف من وسيلة إعلامية أو وزارة أو مؤسسة.

ذلك يدل على أنه لا تتوفر أطر ثابتة للعمل مبنية على أساس تطوعي أو مؤسساتي مخلص لا ينحني ولا يتردد ويقوم على الوقوف مع الضحية والمطالبة الملحة بحقوقه حتى يتحقق إنصافه.

خذ على سبيل المثال الشاب سعود العجمي الذي اشتكى من خطأْ طبي تسبب له في عاهة في المخ أنهت جل طموحه وقدراته فاستغلت قناة إعلامية مقاطع من الحوار معه بتصويره كمحتاج لمساعدة مالية وجمع تبرعات (رغم منع جمع التبرعات بهذه الطريقة نظاما!!)، وطالب سعود برد اعتباره فقط ورد التبرعات لمن دفعها ونفي حاجته للمال بل للحق، وقدم على جمعية حقوق الإنسان فاعتذرت عن تبني حقه بحجة اعتمادها على التبرعات ووعدته الهيئة بتبني أمره ثم غيرت رأيها مجاملة ومحاباة.

في حالات التصوير مع الخبر تشعر أن لكل مواطن جمعية وهيئة حقوق وإذا بحثت عن إنجاز فلا تجده!!.

تحويل التخصصي لعلاج الأخطاء الطبية

لا أقول بعد رهام، ولكن مع رهام، انضمت راما لقائمة من يحالون لمستشفى الملك فيصل التخصصي للعلاج من نتائج الأخطاء الطبية الكارثية الناجمة عن إهمال واضح، وليس مضاعفات أو نتائج محتملة للتدخل الطبي.

وعلاج نتائج الأخطاء الطبية إذا كان ممكنا، فليس بالضرورة أن يتم في المستشفى التخصصي، لكن وزارة الصحة اتخذت من التحويل للمستشفى التخصصي أسلوبا لإرضاء أهالي ضحايا الأخطاء، ومحاولة أخيرة تعتقد أنها تمتص غضب الناس وقلقهم!!.

بهذا الأسلوب المرتبك الذي ينم عن عدم السيطرة قد يتحول المستشفى المتخصص ومركز الأبحاث إلى مستشفى (تطييب خواطر)، ولا أقول مستشفى علاج نتائج الأخطاء الطبية؛ لأن نتائج الأخطاء الطبية إذا كانت ممكنة، فيمكن أن تتم في أي مستشفى آخر، كما أن ما يتسبب منها في الوفاة يدفن في المقبرة، ويصبح الاسترضاء فيه مجرد تحويل القضية للهيئة الطبية الشرعية.

العلاج الحقيقي والفاعل للأخطاء الطبية، والإهمال الطبي، وعدم توفر فرص العلاج، وعدم تواجد الأطباء في أماكن عملهم وافتقادهم للتركيز وافتقادهم لهيبة الإدارة، يتم عن طريق علاج أمراض الصحة نفسها في مستشفى إداري متخصص.

علموهم عقوباتهم

ما زالت كلمات رائد مكافحة المخدرات في المملكة اللواء جميل الميمان ــ تغمده الله بواسع رحمته ــ ترن في أذني، وأحتفظ بها في شريط مسجل صحفي قديم ومنشورة في ثلاث صفحات من جريدة (الجزيرة) في عهد رئاسة خالد المالك الأول ضمن أول تحقيق صحفي محلي عن المخدرات نشر في صحيفة سعودية، أجريته منذ حوالي 25 سنة عندما كنت أعمل محققا صحفيا في (الجزيرة)، وكان قبل ذلك مجرد ذكر كلمة ( مخدرات) محضورا وحساسا جدا.

كلام كثير ذكره اللواء جميل الميمان بصراحته وشفافيته المعهودة التي كان لها دور ريادي في الحرب على المخدرات باستخدام سلاح الشفافية، ومن ضمنه تأكيده على جهل الناس ــ آنذاك ــ بالعقوبات وعدم تفريقهم بين عقوبة المستخدم والمروج والمهرب.

يقول: علمنا عن عصابة ترويج مخدرات تتخذ من المنطقة الجبلية الوعرة خلف هجرة الشعب في منطقة سدير مقرا لتحركاتها، فأقمنا منطقة عمليات في مدينة حوطة سدير، ونصبنا كمينا للعصابة وتم القبض عليهم، يقول: وبينما أنا أجلس على مكتبي في الخيمة المعدة للعمليات أدخلوا علي كبير العصابة، ومنذ دخوله من باب الخيمة ــ وكانت خيمة كبيرة وبابها بعيد عني ــ كان يرفع صوته حالفا بالأيمان الغلاظ أنه يبيع المخدرات ولا يستعملها.

لم يكن يدرك أن عقوبة الاستخدام سجن سنوات، وعقوبة الترويج أشد، وفي طريقها لتصل للإعدام بفتوى علماء الشرع، وكان يبني على مقولة بائع الخمر ــ آنذاك، إذ يقول (أبيعه ولا استعمله)، فكان ما قاله وهو على باب الخيمة أسرع اعتراف حصلت عليه بالتهريب أو الترويج.

يقول: من حينها، جندنا كل طاقاتنا للتعريف بعقوبات التهريب والترويج والاستخدام بشكل مكثف داخليا وخارجيا.

التعريف بعقوبة المخالفات، كل المخالفات من رشوة واختلاس وكل أشكال الفساد، أمر ضروري جدا لتحقيق درجة كبيرة من الردع، وغني عن القول إن الردع الأكبر يتم بالتطبيق الأشمل.

إخراس الإعلام والجلد الأملس

في الوقت الذي كنا نطالب فيه بتفعيل الأوامر للجهات الحكومية بضرورة التجاوب مع ما يرد في وسائل الإعلام من نقد وملاحظات، وفي الوقت الذي كنا نأمل فيه أن تستفيد تلك الجهات مما يرد في وسائل الإعلام من تنبيهات وكشف للعيوب، وأن تقول للوسيلة الإعلامية الصريحة الجريئة: رحم الله من أهدى إلي عيوبي، فوجئنا بأن بعض الجهات الحكومية والمؤسسات تطالب بوقف صحيفة أو قناة أو معاقبة كاتب أو مقدم برنامج.

في الأمثال الشعبية المحلية، يعبر عن الشخص الذي يتمادى في التهاون وعدم الانصياع للأوامر والتعليمات بالقول (إن فلانا استملس جلده)، بمعنى أن التغاضي عن تهاونه واستهتاره وكثرة مخالفاته دون معاقبته أدى به إلى التعود على التهاون والاستهتار ومخالفة التعليمات، لأنه وجدها طريقا ناعما لا خشونة فيه!!.

أعتقد أن الأمر نفسه هو ما يحدث مع تلك الوزارات والمؤسسات، فهي لم تكتف بعدم التجاوب، بل حينما وجدت أن عدم التجاوب لم يسبب لها أية متاعب (استملس) جلدها وأصبح أملس، واستمرأت ما تفعل، حتى وصل بها الأمر إلى استنكار أن تنتقد أو توجه لها الاتهامات وتكشف عن عيوبها الأغطية والستار.

من حق كل جهة أو وزارة أن تعترض على النقد، لكن ذلك لا يكون بالمطالبة بإيقاف وسيلة إعلامية أو برنامج، بل بالرد على اتهامات القناة أو البرنامج في ذات الوسيلة الإعلامية، أو غيرها، ومقارعة الحجة بالحجة وتفنيد ما ذكر (كل ما ذكر)، لا أن تتشبث بجانب واحد أو نقطة اشتباه وتترك جل ما ورد من ملاحظات جوهرية ثم تطالب بإخراس الإعلام!.

نعترف بأرقام الانحراف ولا نعالج أسبابه !!

لا نفتقد الإحصاءات والأرقام والنسب المئوية؛ لأننا مجتمع يجري أبحاثا ودراسات وإحصاءات، لكننا لا نتفاعل مع تلك الأرقام والإحصاءات بغير نشرها فقط!!، دون اتخاذ خطوات جادة لتقليص السلبي منها وزيادة الأرقام الإيجابية.

أما السر في كثرة نشر الأبحاث والدراسات، فهو أنه مطلب للترقية في درجات السلم الأكاديمي في الجامعات، وتحول الأستاذ المساعد إلى أستاذ مشارك، والأستاذ المشارك إلى أستاذ، بينما يكمن سرعدم استغلال تلك الأبحاث والدراسات بشكل حلول في أن الإنجاز والتطوير وتحقيق الحلول لم تعد مطلبا ولا طموحا لدى بعض المسؤولين في الوزارات والمؤسسات الراكدة.

نحن أكثر من نشر أبحاثا وأرقاما ونسبا لأعداد الأطفال والشباب والبنات من ضحايا الخلافات الأسرية والطلاق، وكيف أن تلك الخلافات الأسرية العلنية المنتهية بالضرب أو العنف الأسري أو التعليق والهجر أو الطلاق هي أحد أهم أسباب مشاكل الانحراف لدى الشباب والشابات، والأمراض النفسية لدى الأطفال، وأسباب تفكك الأسر وتحول بعض أفرادها لسلوكيات إجرامية مختلفة بعضها يهدد حتى الوطن.

في الوقت نفسه، نحن أقل من تحرك لإنشاء مؤسسات، أو حتى لجان إصلاح أسري، تتولى أخصائية اجتماعية أو أخصائي (مؤهلان ومتخصصان) حل المشاكل الأسرية على أساس علمي وعمل مؤسسي ومراكز متخصصة واسعة الانتشار في كل مدينة وقرية، رغم توفر المؤهلين من الأخصائيات الاجتماعيات والأخصائيين الاجتماعيين الذين لم يجدوا وظائف!!.

المستفيد الوحيد من تلك الإحصاءات والأرقام هم كثير من المتاجرين بإصلاح ذات البين كعمل ربحي، وقليل من المجتهدين المتطوعين لهذا العمل، وجميعهم المتاجر والمجتهد غير متخصصين!!.

أعذار أغرب من الذنب

عندما انتشر في الصحف خبر العثور على أطراف لحمار في حاوية نفايات في منطقة مطاعم في إحدى المحافظات وأصاب الناس قلق على مصير جسد ولحم ذلك الحمار وخوف (مبرر) أن يكون لحمه قد دخل أحد تلك المطاعم التي يأكلون فيها ومنها، رد رئيس بلدية المحافظة بالقول إن أطراف الحمار وجدت على بعد أكثر من كيلو متر عن أقرب مطعم، كان التبرير غريباً وأذكر أنني رددت عليه في زاوية (قالوا وقلنا) فقلت يا أخي نحن لم نقل لك إن الحمار دخل المطعم ماشياً!! فكان على رئيس البلدية أن لا يدافع وأن يستنفر قواه وإمكانياته لتفتيش المطاعم فهو عمل روتيني سواء وجدت أطراف الحمار أو لم توجد لكن وجودها على بعد كيلو متر لا ينفي أن بقية الجسد حمل إلى أبعد من هذه المسافة.

ودافع مدير شؤون صحية عن حادثة تجول حمار في أحد مستشفيات الوجه بالقول إن دخول الحمار تم بفعل فاعل (وهذا أمر محتمل لا غبار عليه)، لكن السؤال هو هل خبأ الفاعل الحمار في جيبه مثلا؟! وهل يسمح المستشفى بإدخال أي شيء يجره الفاعل؟ وهل سيسمح لمواطن يجر نمراً أو أسداً أو حتى ماعزاً بعبور بوابات وحراسات مستشفى؟! ولماذا يمر حمار أمام ممرضة وتسير وكأن الأمر طبيعيا؟! خصوصاً أن ثمة أمراضا مشتركة بين الإنسان والحيوان (كان على مدير الشؤون الصحية أن يحقق ولا يدافع أو يبرر).

أما أغرب التبريرات فهو تبرير مسؤول في شركة المياه نافياً ضلوع أصحاب الوايتات في إغلاق محابس المياه في الرياض لاجتذاب الزبائن وقائلا إن من شاهدهم الناس يغلقون محابس المياه هم موظفو الشركة لتحويل الماء إلى المناطق المرتفعة!!.

معقولة في الرياض إحدى أكبر مدن العالم يتم التحكم في توزيع المياه يدوياً؟! إن صح ذلك فالعذر أغرب من الذنب، لأننا لا نتحدث عن هجرة أو حتى قرية إنها الرياض.

افصل يا حسين !!

كتبنا كثيرا عن ضرورة تحصين المعلومات الشخصية والحفاظ على سرية المعلومات لجميع من تفرض عليه متطلبات التوظيف أو القروض أو فتح حساب في البنك أو فتح ملف في المستشفى إعطاء معلومات شخصية عن نفسه أو أسرته.

وتحولنا تدريجيا إلى الحكومة الإلكترونية أو التعامل عبر الإنترنت يجعل أهمية الحفاظ على سرية المعلومات تزداد يوما بعد يوم، وتستوجب فرض عقوبات صارمة على من يسرب معلومات عميل لبنك أو مشترك في هاتف أو مريض في مستشفى أو مستخرج رخصة أو بطاقة هوية أو جواز، أمثلة كثيرة، حدث عنها ولا حرج، لكن الحرج الحقيقي هو عدم وجود أنظمة ولوائح وسياسات تحكم موضوع تسريب المعلومات الشخصية لدى البنك أو مكتب المحاماة أو مقدم خدمة الاتصالات أو المستشفى الخاص والعام أو الدوائر الحكومية.

ليس المقصود جدول عقوبات يعتمد على خطورة التسريب أو نواياه وأهدافه والردود من ورائه وحسب، بل المقصود منظومة كاملة للتعاطي مع هذه الجريمة في الوطن ككل تؤكد على شمول الجهة المعنية بالعقوبات، وشمول مدير الموظف بالعقوبة، والتأكد من أن القسم والمدير رسخ لدى موظفيه قبل مباشرة العمل خطورة تسريب المعلومات وعمل البنك أو المستشفى أو شركة الاتصالات… إلخ كل ما من شأنه الاحتياط من أمر تسريب المعلومات والنتائج المترتبة عليها، وأنها شاملة لجميع من تطاله المسؤولية.

الذي لاحظته من عدة قضايا (أشهرها قضية تسريب صورة دفتر العائلة لعميلة بنك في الإنترنت للتندر بأصغر زوج معدد) أن فصل الموظف أو الموظفة هو التفاعل الوحيد من الجهة المسربة، وهذا ليس حلا كافيا، وقد يمارس فيه (لف ودوران وتحايل) أو نحر كبش فداء مظلوم.

الواضح أن القطاع الخاص والعام أصبح أسهل ما عليهما هو فصل موظف إما مؤقت أو جديد أو وهمي للتخلص من قضايا التسريب، وعلى وزن (اكتب يا حسين) في مسرحية (شاهد ما شفش حاجة) يمارس أسلوب افصل يا حسين لموظف ربما (لم يعمل حاجة).