يوم: نوفمبر 17, 2015

أهل العقول بنعمة

رجل كان منذ بضع دقائق عاقلا ثم بدأ يروي لجلسائه أسراره مع زوجته ووصفا لما خفي منها وفضحا لأسرار بيته والمقربين من أصدقائه، ويستمر به الأمر من سيئ إلى أسوأ حتى يجهش بالبكاء ثم يترنح ويصبح غير قادر على الوقوف ويتعرض لحالة من القيء، وليس هذا هو الإخراج الوحيد بل قد يصل به الأمر إلى أن ينجس نفسه.
ورئيس دولة أفريقية وفي زيارة رسمية ينتشر له مقطع يوتيوب وهو يترنح في حفل استقبال غير قادر على مصافحة رئيس الدولة المستضيفة في إحدى مناسبات سياسية لدول أفريقيا منقولة على الهواء.
وينقل لنا أحد برامج المواقف المحرجة في قناة تلفزيونية عالمية واسعة الانتشار مواقف مخجلة مهينة لرجال ونساء مشهورين وغير مشهورين يقومون بتصرفات غريبة لا يقوم بها الحيوان الذي لا يعقل، فمنهم امرأة تتبول أمام المارة (أعزكم الله)، ومنهم من يتشاجر مع كل من مر ثم يسقط على وجهه على قارعة الطريق أو في وسط مسار طريق سريع وآخر لأنه لا يعي ما يفعل يقبل ويلعق حذاء أحد المشردين ظناً منه أنه يعانقه.
كل هذه مشاهد لأناس تعمدوا إزالة عقولهم بتناول كأس أو عدة كؤوس من الخمر، ثم يأتيك من يقول إنني أسكر ولكن بعقل، أو من يقول إنني أشرب ولكن لا أصل لحد الثمالة، هذه أوهام يقنع بها بعض السذج أنفسهم وليس مستغرباً أن يقنع نفسه بذلك طالما أنه اختار بنفسه أن يزيل نعمة العقل التي منحها إياه خالقه وميزه بها عن الحيوان واستخلفه في الأرض وكلفه بالمسؤولية عن نفسه وأهله وأبنائه وماله وأسراره فاختار بطوعه أن يفقد عقله!، فأي عقل لهذا ليقنعه بأن الكحول لن تذهب عقله؟!.
سبق أن كتبت ومن منطلق التخصص في علم الأدوية والسموم، ومنها الكحول، أن السكيرة يتوهمون أن الكحول تجذب لهم الدفء وهي على العكس تخفض الحرارة، إلى درجة أن من تسمعون أنهم ماتوا في دول أوروبية متقدمة بسبب موجات البرد أغلبهم ماتوا مخمورين بسبب انخفاض الحرارة داخل الجسم، وسبق أن ذكرت أن السكيرة يتوهمون أن الكحول تقوي قدرتهم الجنسية وتطيلها، وواقع الحال أنه يضعفها كثيراً جداً إلى درجة أن المخمور يتوهم أنه يمارسها وهو (ما عندك أحد).
بقي أن أقول إن نسبة كبيرة جداً من حالات تليّف الكبد وتدمير هذا العضو الأساسي للحياة سببها تعاطي الكحول، فهل يعي الإنسان أي إيذاء يؤذيه لنفسه فيمتنع؟!، هذا قرار يجب أن يتخذه شريطة أن يعي.

لماذا تركيا؟!

بداية أرجو أن لا يزايد أحد على حرصي على السياحة الداخلية فقد كانت عسير وجهتي السنوية وكتبت عنها مقالا منذ عشرين سنة في صحيفة (الرياض) تشرفت بأن نشره أمير عسير آنذاك الأمير خالد الفيصل إعلانا في الصفحة الأخيرة لصحيفة (الوطن) مذيلا بعبارة (شكرا لمن صدق) وتوقيع سموه.

عندما تواجه السياحة الداخلية بعض المعوقات خاصة مع الناقل الجوي أو السكن والخدمات فإنني أعتبر أن تركيا اليوم هي الخيار السياحي الأول لكل من يعقل ويحترم نفسه وأسرته، خاصة من الخليجيين، والسؤال الذي يطرحه بعض خصوم المحافظة والاعتدال هو لماذا تركيا؟!.

الأهم عندي أنك في تركيا تجد احترام حرية وحق زوجتك وبناتك في ارتداء النقاب وهو ما أصبح حرية مسلوبة في كثير من دول أوروبا وبطرق مهينة لا يقبلها من يحترم حقوقه، بل يفترض أن لا يقبلها من يحترم حرية الآخرين في لبس ما يشاؤون طالما أنه لا يخدش الحياء العام، لكن الأمر انعكس تماما للأسف في دول آخرها ولن تكون الأخيرة بلجيكا فمن حق نساء ورجال السير عراة والمشاركة في سباق دراجات بعري تام مقزز لا يستسيغه إلا الحيوانات بينما تعتقل من تتنقب! هذا أحد أهم الأسباب.

أما بقية مميزات تركيا فهي أنك تصرف أموالك على إخوة مسلمين وتنعش اقتصاد بلد مسلم صديق سواء ما يذهب منه لمالك شقة أو سائق أجرة أو صاحب مطعم أو بائع، أو حتى تأشيرة دخول تحصل عليها في المطار وبكل احترام ودون استجواب مهين!.

في تركيا تأكل طعاما حلالا ولا تفقد صوت الأذان وتجد المسجد والمصلى في كل حي وسوق وتتعايش مع شعب مسلم شهم يتميز بالنخوة والتعاطف معك ومع أسرتك وبالمناسبة يكثر الحديث (التويتري) عن صلافة بعض الأتراك وقد وجدت بعد تسع سنوات أنك أمام ألطف وأكثر الشعوب مشاعر جياشة لكن مشكلتهم في عائق اللغة كما أن احترامهم لأنفسهم وللغير يجعل من تعود على تسخير الناس بماله لا يجد قبولا لديهم بينما يمكنك تكوين العديد من صداقات وود يدوم عندما تتعامل معهم باحترام لهم ولنفسك بعيدا عن استعراض المال.

جبت أغلب دول العالم بما فيهما أوروبا والأمريكيتان ولم أجد أمنا في محطات القطار الأرضي مثلما وجدته في إسطنبول فلم أشهد حالة واحدة لشاب مشاكس أو مستفز كما شهدت في لندن أو نيويورك وواشنطن!، كما أنني لم ألحظ احتراما للمرأة والمسنين كما رأيته في تركيا خاصة في وسائل النقل العام التي تعتبر مقياسا هاما فلا أحد يترك مقعده لامرأة أو شيخ كبير كما يفعل الرجال الأتراك.

في تركيا تخضع المطاعم لرقابة بلدية صحية صارمة فلا مجال لغذاء فاسد أو تسمم وقد تجد فاتورة تفوق المتوقع لكن قائمة الأسعار ملزمة للمطعم إذا اعترضت، وسائق الأجرة مجبر على تشغيل العداد ومشكلتهم مع بعض السياح العرب يكمن في ركوب أكثر من أربعة.

المسؤول والتعويض

يبدو أن المسؤولية والتقصير والأخطاء التي تسبب الكوارث أصبحت مثل السيارة الحكومية تعاني من سوء التعامل لأن سائقها لا يدفع هللة واحدة عندما تتعرض للتلف، حتى وصل بنا الحال ذات يوم إلى تشبيه الشيء المهمل (المكروف) حد التلف بـ(سيارة حكومة) و(جلد مهوب جلدك جره على الشجر)، تلك أمثال تقطر أنانية وجحودا، لكنها تطبق للأسف، فالإنسان الأناني يهتم فقط بما يمس محفظة نقوده أو رصيد حسابه (بعد أن أصبحت المحفظة مجرد بطاقات).
المسؤولية عن الأخطاء والإهمال والتقصير أصبحت اليوم مثل (سيارة حكومية) ونحتاج فعلا إلى أن يشارك المسؤول المقصر في دفع الديات والغرامات والتعويضات عند ثبوت تسبب جهة ما في مقتل إنسان أو إعاقته أو إحداث الضرر به وأن لا يقتصر دفع الديات والتعويضات على المؤسسة سواء كانت حكومية أو أهلية، فالواضح أن ثمة تساهلا وإهمالا وتقصيرا في الاحتياطات والحذر يؤدي إلى مقتل العديد من الأبرياء بسبب تقصير وقصور كان بالإمكان تلافيه لو شدد المسؤول الرقابة على أداء المؤسسة وتأكد من تطبيقها احتياطات السلامة والأمان.
وأرجو أن لا يقول قائل إن المدير أو وكيل الوزارة أو الوزير بعيد عن التفاصيل الميدانية وغير مسؤول عن سلك كهرباء عارٍ في عمود كهربائي في حديقة يصعق طفلا أو فتحة صرف صحي مكشوفة تبتلع بريئا أو سوء تنفيذ طريق يقتل جماعة أو حتى خطأ طبي سببه الإهمال، فكل أشكال القصور تلك تزول لو أخلص المسؤول في عمله الرقابي وشدد على موظفيه مبدأ الحساب والثواب والعقاب وراقب فيهم عطاءهم وحسن تنفيذهم، ويكفي عن كل ما سلف أن نستشهد بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه (لو عثرت بغلة في العراق لظننت أن الله سيسألني عنها لم لم تمهد لها الطريق يا عمر).

أزمة حذر

لا أعتقد أن الدنيا ستقوم علي سخرية واستغرابا ومعارضة عندما أقول إننا نعاني من أزمة حذر، مثلما قامت على من قال إننا نعاني من أزمة فكر وليس أزمة سكن، فشتان بين الاستدلال هنا وهناك، فهنا لا تناقض ولا مخالفة للواقع ولا تغاضي عن المسببات الأساسية الأهم.
المتتبع للأحداث والحوادث المتتالية متشابهة الأسباب والمسببات وتكرار حدوثها لنفس الأسباب وبنفس المتسببين يدرك جيدا أننا لا نتعلم من الدروس ونعاني من أزمة حذر فعلا رغم تعدد النذر والإنذارات.
عندما تتسبب عاملة منزلية في نحر طفلة بريئة وهي نائمة مثلما حدث للطفلة تالا، جعلها الله شفيعة لوالديها، وتتناول الصحف بشقيها الورقي والإلكتروني والقنوات وبرامجها الحية هذه الحادثة بالتفصيل والوصف والتحذير، ثم تتكرر حوادث نحر العاملات المنزليات من جنسية محددة أو جنسيتين معينتين للأطفال، ويتم نقل أخبار كل حادث بذات التفاصيل المرعبة ثم لا نتخذ قرارا لا من راعي المنزل المسؤول عن رعيته بتجنيب أسرته خطر العاملات ولا من المسؤول عن الاستقدام بإدخال الفحص النفسي ضمن عناصر فحص العاملات وبمنتهى الدقة، أو منع الاستقدام من ذلك البلد، فماذا يعني هذا غير أننا نعاني من أزمة حذر وتعلم من الدروس وتلافي أخطاء الماضي؟!.
وعندما تتسبب السيول في ملء حفر الشوارع المكشوفة وتحويلها إلى مصائد للأبرياء من الأطفال والكبار ممن يخوض في ماء السيل وهو لا يعلم ما تحته، وتتكرر هذه الحوادث بذات الأسباب والمتسببين ثم نبقي على السبب والمسبب! فماذا يعني هذا؟! ألا يعني أننا نعاني أزمة حذر رغم تكرار السبب والمسبب؟!، لاحظ أنني لم أتطرق للغرق في الأودية والشعاب فهذا ضرب من ضروب المجازفة والانتحار لأفراد لم يتعلموا أيضا مما شاهدوا حدوثه لغيرهم ولم يحذروا منه رغم التحذيرات، وهؤلاء ليسوا أبرياء وليست الجهات المعنية مسؤولة عن موتهم فهو كالانتحار من فوق جسر أو عمارة، لكن ما ذنب البريء الذي يعبر شارعا مسفلتا يغطيه ماء المطر ليجد أن كمينا يتربص به لأن مسؤولا (ربص) في هرم المسؤولية ولم يتغير بحذر ولم يغير؟!.
حوادث سقوط الأطفال في غرف الصرف الصحي لعدم تغطيتها تكررت في مدينة جدة لوحدها عدة مرات وحدث مثلها في مدن أخرى ولم تطبق وزارة الشؤون البلدية إجراءات حازمة توحي بحذر من تكرارها رغم فداحة المآسي وانعكاسها النفسي على الأسرة والمجتمع والعالم الذي يشاهد آثارها ويتساءل (متى يتعلم هؤلاء الحذر بعد النذر؟!)

ليست رجولة!

عشرون حالة وفاة يوميا و٧١٥٣ حالة وفاة سنويا و معدل وفيات يصل لـ٢٣ حالة وفاة لكل ١٠٠ ألف نسمة وأكثر من ٣٩ ألف مصاب يشغلون أكثر من ٣٠% من أسرة المستشفيات و٢٠٠٠ معاق إعاقة دائمة سنويا، والجملة الشهيرة إعلاميا التي تبلدنا مع تكرار ذكرها للأسف هي أن تلك الأرقام ليست حصيلة حرب بل حصيلة حوادث السيارات في عام واحد في المملكة االعربية السعودية!.

وأعجبني مقطع (يوتيوب) للدكتور عيد اليحيى بعنوان (كيف يفتخر السعوديون بقاتلهم) يتحدث خلاله بحسرة وبعفوية بلهجته القصيمية الجميلة والمؤثرة عن دور السيارات في القتل وتعبئة المقابر وتطرق من خلاله لموضوع هام وربط ضروري غير مسبوق بين الحالة النفسية للسائق القاتل وربطها بسيارته على أساس تغير نفسية السائق بعد ركوبه لسيارته ونشوته بها بما يختلف تماما عن حالته النفسية إذا ترجل منها مشيرا إلى فخر الرجل العربي براحلته وزهوه بها مع تحفظه على الفارق الكبير بين الراحلة الحية والحديد! وتحفظي أنا على الفارق الكبير بين الفارس والسائق الجبان وسوف أورد لكم الدليل.

فبمناسبة الربط الجميل جدا الذي أجراه د.عيد اليحيى بين الحالة النفسية للسائق أثناء القيادة والحالة النفسية للشخص ذاته بعد الترجل، أود أن أضيف ملاحظة قد تبدو غريبة ومؤلمة لكنها واقع يجب أن نعترف به وهي ملاحظة سجلتها أثناء عملي لأربع سنوات كمناوب ليلي وتحديدا في غرفة الطوارئ وهي أن الشباب الذين يمارسون سلوكيات غريبة أثناء قيادة السيارة في الطريق ويعتقدون أنها من الجرأة والشجاعة مثل الانحراف بين السيارات في الطريق السريع من مسار لآخر أو (حد) سائق آخر وحرفه عن الطريق أو التحدي بالوقوف في طريق سائق عاقل لاستفزازه لمضاربة، كل هؤلاء عندما يصاب أحدهم بكسر أو أدنى جرح أو كدمة يحضر لغرفة الطوارئ وهو يصرخ كالأرنب، ولا يتحلى بأي صفة صبر رجولية، بل إن المرأة التي تعاني آلام الولادة أكثر منه صبرا وتجلدا، إذًا فإن ما يفعله أثناء القيادة وأثناء اعتلائه (لراحلته تجاوزا) من تحديات تختلف عن واقعه إذا أصيب فهي ليست من الرجولة في شيء، بل هي لعدم الرجولة أقرب كونها استهتارا بحياة الغير ينم عن لؤم وعدم (مرجلة).


حتى رياضيا نرفض التهريج

ليس جديدا انكشاف سطحية بعض البرامج الرياضية والقائمين عليها، وليس جديدا أن يثبت أن بعض تلك البرامج المعتمدة قولا وفعلا على (الإثارة) كان ولا يزال سببا في ما نعيشه من احتقان رياضي وتعصب شديد تجاوز في بعض الأحيان الحدود المتوقعة ولامس الخطوط الحمراء كحد العنصرية والمناطقية وغيرها مما هو خطير على الوحدة الوطنية، وسبب ذلك كله بعض من القائمين على صحف رياضية أو أقسام رياضية أو برامج رياضية من رعيل قديم متعصب أو (متمصلح) من التعصب.
كل ذلك ليس جديدا، الجديد هو أن تفشل تلك البرامج والصفحات الرياضية في مواكبة رزانة وعقلانية السياسة السعودية والإعلام السعودي في تعاطيه مع الأشقاء وفي تفاعله مع الأزمات رغم تعرض المملكة العربية السعودية، كبلد أمين أنعم الله عليه بنعم عديدة، لكافة أشكال الحسد ومنها الإساءات الإعلامية من إعلام غير مسؤول!، والغريب أن فشل تلك البرامج الرياضية في مواكبة الرزانة السعودية المشهودة جاء رغم كبر سن القائمين عليها مما يؤكد مجددا أن العمر الإعلامي يقاس بعدد سنوات القراءة والاطلاع لا عدد سنوات العيش في بلاط صاحبة الجلالة.
مارست بعض البرامج الرياضية خلقا كنا ولا زلنا ننهى عنه متمثلا في السخرية بالهرج الفج والمقاطع و(الكليبات) في تعاطيها مع موقف اتحاد كرة القدم الفلسطيني وإصراره على لعب منتخبنا مباراته مع منتخب فلسطين الحبيبة في رام الله وهو ما نرفضه جميعا ولكن بعقل، وليس بالأسلوب الذي ننهى عنه ومارسه ضدنا نزر يسير من إعلام دولة شقيقة غير مسؤول وموجه ومدفوع ضد المملكة، وكان أول من استهجن ذلك الأسلوب التهريجي الفج هو الشعب الشقيق بوعيه المشهود، ولذا فإننا بوعينا ورزانتنا المشهورة عنا رفضنا واستهجنا (كليبات) السخرية والتهريج، لأنها ببساطة ليست خصالنا ولا أخلاقنا.
أخلاقنا مثلها الشاب سنا، الكبير المخضرم عقلا وحنكة محمد بن سلمان وخلال ثوان معدودة بشرح موقف المملكة المشرف دوما، فحل العقدة حلال العقد.

حمّام .. يا وزارة التجارة

في البداية لا بد من القول بامتنان أن مشكلة سوء دورات المياه في مطار الملك خالد الدولي بالرياض قد حلت، وأصبحت دورات المياه في صالات المطار على درجة جيدة جدا من النظافة والتطوير باستخدام أدوات صحية تعمل بخاصية الليزر وتأثيث دورات المياه بكراسٍ ومغاسل وأكسسوارات جميلة، وكل ذلك يعود للتغييرات في العناصر الإدارية في كل من الهيئة العامة للطيران المدني وإدارة مطار الملك خالد الدولي، فبعد أن كنا نشكو ولسنوات طوال من عدم صلاحية دورات المياه في ذلك المطار، حق للقيادات الجديدة في هيئة الطيران المدني ومطار الملك خالد أن نشيد بعملها ونثني عليه ونؤكد على ضرورة الاستمرار والمحافظة على هذا المستوى بل تطويره أكثر.
وفي الوقت الذي تتجاوب بعض الجهات الحكومية مع انتقادنا للتعامل مع الاحتياجات الإنسانية ومن أهمها دورات المياه النظيفة الآلية التي تقلل التعرض للتلوث والعدوى، فإن القطاع الخاص يتراجع في هذا الصدد، فما تزال دورات المياه في المراكز التجارية الشهيرة و(المولات) الكبيرة تشهد تراجعا وإهمالا واضحا وعدم صيانة!!، تجعلها غير صالحة للاستخدام الآدمي ولا تحقق الطهارة ولا أدنى شروط النظافة (وكأنها حمامات مدارس حكومية) واقترح أن تفرض وزارة التجارة شروطا ومتطلبات مشددة على الأسواق الكبرى والمجمعات التجارية والمراكز التجارية الصغيرة والمطاعم ومحطات الوقود ومن بين هذه الشروط توفير دورات مياه لائقة وآلية ودائمة النظافة ومستمرة الصيانة وأن يكون من بين عناصر الرقابة الصارمة والتفتيش على تلك المراكز التجارية التزامها بتوفير دورات مياه بتلك المواصفات أو تغريمها غرامات مجزية، فمشكلتنا مع توفير هذه الحاجة الإنسانية الضرورية قديمة ومستعصية، وواقعنا يقول إن أسواقنا و(مولاتنا) تعنى فقط بالشكل الخارجي و(ديكورات) العرض والجذب الشرائي فقط.

لماذا أنتصر للهيئة

لم أحبذ في حياتي الصحفية ولا أؤيد مطلقا أن تستغل الزاوية الصحفية في التراشق بين كاتبين أو أكثر، فهي مساحة للقارئ نطرح فيها همومه علها تجد حلا، لذا فإنني لن أرد على زميلين عزيزين لهما كل الود إلا بإيضاح للقارئ العزيز موضحا السبب في ضرورة مناصرة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحاشا لله أن لا أرد عليهما تجاهلا أو استعلاء، لكن لأن أحدهما افترض مسبقا أن لي مآرب أخرى في ما أسماه دفاعي عن الهيئة، ومن الصعب أن تقنع من يصدر حكمه عليك مسبقا، لكن يمكن له مراجعة أرشيف ما كتبت طيلة عمري الصحفي ولن يجد فيه خمسة أحرف تتعلق بأطروحتي في الماجستير، مثلا، ناهيك عن سلسلة من خمسين مقالا متواصلة تتعلق بقضية رسالة دكتوراة مع الجامعة لا تهم القارئ في شيء!.

أما الزميل الآخر فلديه شعور نفسي بأنني أتتبع مقالاته عن الهيئة وأرد عليها، مع أنني (ما جبت خبره) وتجاهلته ولم أرد عليه عندما تهكم علي شخصيا وبالاسم في دفاع له عن وزارة الصحة، فكيف أتتبع ما يكتب عن الهيئة وأرد عليه، وإن كنت أتشرف بالانتصار لكل من يتعرض للظلم والاستهداف لأهداف أيديولوجية إقصائية والهيئة خير مثال.

الزميلان أجمعا على أنني كتبت في مقالي بعنوان (خصوم هيئة رجل الهيئة) أن (زملاء صحفيين) يؤيدون عنف رجال الشرطة في أمريكا مع أنه لم يرد في مقالي ذكر لصحفيين إنما قلت (ربعنا) وحددت قريب المبتعث أو المبتعث نفسه!.

الأهم عندي من الرد على كل من له موقف مسبق ودائم من وجود الهيئة أصلا، هو إيضاح لماذا أتشرف بالانتصار لهذا الجهاز الحكومي المستهدف بسبب وبدون سبب؟!، والجواب لأن الهيئة هي الجهاز الحكومي الوحيد الذي لا تتاح الفرصة لأفراده للدفاع عن أنفسهم إعلاميا لا في الصحف ولا في البرامج المتلفزة!، فكل الجهات تتاح لها فرصة الدفاع بل تطلب منها ويتوسل لها المشاركة إلا الهيئة!، والشواهد كثيرة وغالبيتها انتهت ببراءة منسوب الهيئة، وهذا الإقصاء الإعلامي وعدم الحياد مقصود ويهدف لتشويه هذا الجهاز بدليل استضافة الخصم وكيل التهم دون استضافة عضو الهيئة المتهم!. والهيئة هي الجهاز الوحيد الذي في فترة إدارية (ماضية) عوقب موظفوها بالنقل التعسفي فور اتهام الإعلام لهم ومات بعضهم من التنقل بعد عقوبة النقل دون النظر في دفاعه، وفي تلك الحقبة كان الخصم والحكم تتاح له فرصة التبجح إعلاميا وظلم أفراد الهيئة دون إتاحة فرصة للتظلم (أليس دورنا ككتاب الانتصار للمظلوم؟!).

والهيئة هي الجهاز الحكومي الوحيد الذي ما أن يتهم أحد أفراده بتجاوز حتى تهب الأقلام إياها مطالبة بإلغاء الجهاز (لم يطالب أحد بإلغاء أمانة جدة بعد سيول جدة وموت المئات).


حس يا سالم

الإحساس بشعور الآخرين صفة تقترن بالفروسية والشهامة والإدراك، وهي أولا وأخيرا نعمة من نعم الله على عباده وتبرز أكثر في المؤمنين لأنها من الرحمة.
في مراحل دراسة اللغة في بريطانيا عجبت كثيرا حينما مررت ذات مساء، في أحد شوارع لندن، برجل ينزف دما من كل جانب في وجهه وشخير أنفاس أنفه النازف تستنجد ونظرات ما بان من عينيه تعاتب المارة وهم يمرون من جانبه ويتخطونه لأنه بجسده الضخم الممدد قد أغلق الرصيف، عندها حمدت الله على نعمة حرارة الدم التي ننعم بها والتفاعل الإيجابي الذي يجعلنا نهب للمساعدة.اليوم وأنا أشاهد تجمهر الناس على كل حادث صغر أو كبر وكل منهم يرفع (جواله) لتصويره ويتسببون في إعاقة سيارات الإنقاذ بإيقاف سياراتهم للتصوير ويعيقون وصول المسعفين بتحلقهم حول الضحايا، شعرت أننا لم نتخل عن الإحساس والتفاعل مع مصائب الآخرين وحسب، بل نمارس عملا لا ينم للرحمة بصلة وهو التسبب في مضاعفة آلامهم والتعدي على خصوصيتهم وهم في حالة ضعف.
أنا لا أطالب المارة أو رواد الطريق بإسعاف المصاب فذلك أمر غير منصوح به في كل الأحوال إلا بإيقاف نزف أو مساعدة تنفس، لمن يجيده، وفي الحالات التي تهدد الحياة ويلعب فيها عامل الوقت، ريثما يصل المسعف المختص، عنصر إنقاذ حياة، لكنني أؤكد أن لا يشمت السالم بمن أصيب، والتجمهر للفرجة والتصوير باب من أبواب الشماتة وتحقيق غرض شخصي يتمثل في سبق التصوير على حساب إنسان مصاب أو حتى متوفى له حرمته.
التجمهر والتصوير وعدم إحساس السالم بالمصاب صورة شاعت قياسا بأعداد المتجمهرين وأعداد المقاطع التي تروج، لكن الصور الإنسانية ومواقف الشهامة وإحياء الأنفس والخلق الإسلامي المتمثل في الإيثار موجودة، ولله الحمد، ومستمرة، لكنها لا تشاهد في مقطع مصور أو صورة، لأن من يفعلها لديه إحساس إنساني عظيم يجعله لا يفكر في التصوير بل لا يفكر في سلامته أمام إنقاذ الآخرين ولنا في (فدائي نجران) الشهيد علي أحمد آل مرضمة خير مثال فقد افتدى عشرات المصلين بنفسه ومنع الإرهابي من الوصول إليهم ليموت من أجل حياة الآخرين وأمثاله كثر وخلال أشهر معدودة.
أتمنى أن يآتي اليوم الذي يحس فيه كل سالم بمصيبة المصاب قبل و أثناء وبعد أن تحدث، فيحول دونها أو لا يتسبب في تفاقمها وذلك أضعف الإيمان.

خصوم هيئة رجل الهيئة

في أمريكا (مثلا) يبطح رجل الشرطة أو (رجلة) الشرطة (أقولها تجاوزا حتى لا يقولون تجاهلت المرأة، لأن في شرطة أمريكا وغيرها نساء مسترجلات أقوى من بعض الرجال ويصعب أن تسميها امرأة أو تؤنث صفاتها إلا بتاء التأنيث لأن الباقي ذكر وأي ذكر؟!)، أقول في أمريكا يبطح الشرطي أي (مشكوك فيه) على الأرض بطحا مهينا ويدوس على (علباه) ويقيد يديه لمجرد شك، فيثني عليه بعض (ربعنا) ويعتبر تصرفه حنكة بوليسية واحتياطا مطلوبا، حتى لو كان الضحية ولده أو شقيقه المبتعث أو حتى هو!، فمثل هذا التصرف عسل على قلبه وثقل بسطار الشرطي الأمريكي سمن على علباه!، ولو كانت رجل شرطية فقد يسعد بها ويقول (ادعس يا جميل) و(أين الكعب يا حلو).
في أمريكا أيضا قتلت الشرطة متهما بريئا، لم تثبت إدانته، لمجرد أنهم شكوا فيه وحصلوا على إذن تفتيش منزله وصادف دخولهم عليه في دورة المياه وهو يرفع مجفف الشعر (الاستشوار) فظنوه مسدسا و(سشوروا) جسده بوابل من الرصاص ولم يلمهم أحد، وما كان ذات البعض من (ربيعنا) سينتقدونهم بل ربما أشادوا قائلين (شف يا خي حرص وسرعة تفاعل الأمريكان!).
إذا هي مجرد عقدة وتحزب مع أو ضد، وهذا ما حدث مع تصرف رجل الهيئة (تلال الأرقاب) فكل من هو ضد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر افترض مسبقا أن المقبوض عليه لم يقاوم ولم يستفز، ولم يرتكب فعلا أكثر من مجرد التصوير، وأن رجل الهيئة تله من رقبته تجاوزا وبدون مبرر!، كل ذلك بسبب موقفهم من هيئة رجل الهيئة!، ولو ارتدى رجل الهيئة بنطالا وبسطارا لكان (تل الرقبة) هو مجرد إمساك لمخالف من (عروته) وأمر عادي جدا.
لهؤلاء أقول إن رجال الحسبة في مرحلة من مراحل هذا الوطن المتميز بتطبيق شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانوا يرتدون بدلة وغترة وأرجعوا للصور القديمة، ولن تتغير مواقفكم، بالرغم من تغير نظرتكم، تماما مثلما تغير دفاعكم عن المخالف لمجرد أنه غرد ذات يوم بثناء على الهيئة! ولو كان ممن يغردون بضرورة إلغائها لكان لكم هجوم إعلامي (يتل) رقبة فرد الهيئة وكيانها.