اليوم: 2 مارس، 2002

الفساد الإداري.. العلاج بالكي

عندما ذكرت سابقاً اننا لا نعاني في تعاملاتنا اليومية من الرشوة بمثل معاناتنا من الواسطة، لم أكن أقصد بأي حال من الأحوال نفي احتمال وجود الفساد الاداري أو القليل من شأن الرشوة كمشكلة.

لقد اقتصر ماذكرت على الاسراع في انهاء الاجراءات اليومية الروتينية، فذكرت انه في الوقت الذي تعاني فيه المجتمعات في بعض الدول من ضرورة دفع الرشوة في شكل اكرامية لانهاء أي اجراء روتيني فإننا نعاني أكثر من ضرورة وجود معرفة أو واسطة لانهاء أي اجراء أو التسريع في انهائه.

الفساد الاداري لا يمكن نفيه عن أي مجتمع، شأنه في ذلك شأن أي فساد من أي نوع، لكننا وبحكم ظروف مجتمعنا ومستوى المعيشة فيه لا نعاني من الرشوة على مستوى التعاملات اليومية بقدر معاناتنا من الواسطة، وذلك مقارنة بالمجتمعات الأخرى، أي ان الأمر نسبي وليس في حكم المطلق.

وللتذكير فإنني سبق ان اقترحت أن تعامل الرشوة كالمخدرات وأن نعترف بها كمشكلة ونتناولها إعلامياً بصراحة ومكاشفة وتوعية مكثفة، بحيث نجعل المرتشي يشعر بأن نظرات التأنيب تتجه إليه ممن حوله ومن أفراد أسرته عندما تتناول حلقة تلفزيونية أو مسلسلة أو تمثيلية موضوع الرشوة والمرتشين فيحس وسوف يحس بأنه المقصود رغم انه الوحيد الذي يعرف انه ضمن المقصودين.

نحتاج إلى حملة إعلامية وتفتيشية وتشهيرية تجعل الفاسد ادارياً يعيش في قلق رادع ورعب مستمر وخوف يبعد هاجس أمن العقوبة، مهما كان وزنه وأهميته، وتأنيب ضمير يقلق مضجعه الوثير عله يراجع نفسه فيتوقف.

نريد برامج دينية يتحدث خلالها أهل العلم والذكر باستمرار مذكرين بمصير المال الحرام وما ينتظر كاسبه من عقوبة، وخطب جمعة تتطرق لموضوع الفساد الاداري والرشوة تحديداً وكيف انها تنقلب وبالا على المتعاطي فيها في الدنيا والآخرة.

تجربتنا في تكثيف الحملة على المخدرات أيقظت العديد من النيام ممن لم يكونوا يعلموا بغزو هذا الداء لبلادنا، ولم يكن الواحد منهم يتوقع أن السلوك الغريب لابنه أو أخيه أو صديقه أو والده ناجم عن تعاطي المخدرات، إلى جانب ايقاظ المتعاطي نفسه وهو الهدف الأول. كل هذا تحقق بالمصارحة والمكاشفة والتكثيف الإعلامي المركز حتى أضحى كل صغير وكبير يعي خطورة المخدرات وفي حالة تأهب لغزوها الأمر الذي ضيق على المروجين والمهربين وجعل مهمتهم أكثر صعوبة فتمت محاصرتهم من جميع الأطراف، مواطنين وسلطات أمنية، بعد أن كانت السلطات تجاهد هذا الداء بمعزل عن عون الأفراد ووسط تكتم شديد كان خلاله الحديث عن المخدرات في حكم الممنوع فكاد السوس أن ينخر في عظامنا دون أن نشعر أو نعترف.

الرشوة حالياً أو الفساد الاداري لا تختلف حاله عن حال المخدرات سابقاً ويجب أن نتعامل مع هذا الداء مثلما تعاملنا مع المخدرات بالمكاشفة والعقاب والملاحقة وتكثيف الحملة الإعلامية ضده فهذه الأمراض يستعصي علاجها دون كي.