الشهر: فبراير 2002

أنقذوا المواطن من شروط الشركات

دون رقيب أو رادع أو حماية حقوق تقوم الشركات الخدمية أو التعاقدية بكتابة الاتفاقيات مع المواطنين وفرض شروط تخدم مصالح الشركة وتحمي حقوقها دون حفظ أي حق للطرف الثاني (المواطن).

جميع الاتفاقيات تعدها الشركات بطريقة متقنة وبالاستعانة بأمهر المحامين وتشترط على المواطن توقيعها للحصول على الخدمة الضرورية أو الاستفادة من أعمال الشركة أو تسهيلاتها المزعومة والتي تصب في صالح الشركة أصلاً عن طريق استثمار أموال هذا المسكين المضطر للتوقيع على ما تريده الشركة دون التزامها بأي حق شرعي أو نظامي من حقوق الطرف المغلوب على أمره.

لماذا يسمح للقطاع الخاص بإعداد اتفاقيات المصالح المشتركة بطريقة أحادية تخدم شروطُها طرفاً واحداً، وتحمي حقوق طرف واحد ولا تتيح أدنى فرصة للطرف الثاني بحفظ حق نظامي أو دفع ظلم قد يقع؟!.

شروط الاتفاقية تكرر عبارة تحتفظ الشركة بحقها في كذا، ولا تلتزم الشركة بكذا، ولا يعتبر البند الفلاني ملزماً للشركة بكذا، وتخلي الشركة مسؤوليتها عن هذا وذاك في حين لا تتيح هذه الاستمارة أية فرصة للمواطن بالمطالبة بأبسط حقوقه المنطقية.

أي استغلال هذا وأي سماح بهذا الاستغلال يمكن قبوله على كافة المستويات والمسؤوليات، ولماذا لا تكون هذه الاستمارات مسبقة الصنع من إعداد جهات حكومية محايدة ذات نفوذ وسلطة وضمن نظم منصفة للطرفين وعادلة تتمشى مع الحقوق التي يضمنها الشرع وواضحة بحيث يسهل الاحتكام بها وفضّ المنازعات بناء عليها بما يرضي الله أولاً ثم الطرفين؟!.

إن الاتفاقيات بشكلها الحالي تجسد موقف الذي يريد الاستحواذ على كل شيء، فالشركات الكبرى رغم قوتها المالية المستمدة من استثمارات المواطن الضعيف تريد تجريده من أي حق وتعريض ماله للخطر بقوة الشروط التي يوقع عليها مضطراً، فلماذا يسمح بهذا؟!.

عيب الكتابة عن مثل هذا الموضوع أنه يحتاج إلى أمثلة لإيضاح المقصود، وعيب إيراد الأمثلة أنه يوحي بالتخصيص في حين أن الوضع عام وشائع، ومع ذلك سوف أورد أمثلة دارجة وواضحة مؤكداً أنها على سبيل المثال لا الحصر فالأمثلة أكثر من أن يتسع المجال لذكرها.

خذ على سبيل المثال شروط البنوك التي يوقّع عليها المتعامل في شراء وبيع الأسهم عندما يرغب في استخدام خدمة الشراء والبيع بالهاتف فبرغم أن استمارة الاتفاقية الأصلية تحدد أنه عند حدوث اشتباه أو خلاف حول تنفيذ أمر هاتفي فإنه يرجع إلى التسجيلات الهاتفية التي يحتفظ بها البنك، وهذا جيد ومنصف، إلا أن البنك يجبر المتعامل على توقيع إقرار جانبي ينص على أن للبنك الحق في التصرف بتنفيذ عمليات بيع أو شراء دون الرجوع إليه، وهذا الإقرار يلغي بنود الاتفاق الأصلي، فما الفائدة من الرجوع للتسجيلات إذا كان البنك سيستخدم ورقة التخويل بالتصرف دون الرجوع للعميل إذا وقع النزاع فهذا الإقرار وضع لحماية طرف واحد هو البنك!!.

المثال الثاني (دون حصر) هو بنود اتفاقيات شركات التقسيط فبرغم وضوح الاتفاق الأصلي بأن يسدد العميل الأقساط بمقدار معين وخلال فترات محددة ويتحمل أعباء التأخير في شكل نسب كبيرة إلا أنه يجبر على توقيع إقرار ينص على أن لشركة التقسيط الحق في الحصول على كامل المبلغ في أي وقت تشاء!!. فما هي فائدة صفقة التقسيط غير المريح ونسب الفوائد الكبيرة التي يتحملها المشتري، وضمانات الكفالة الغارمة المتعددة طالما أن للشركة حق استقطاع كامل المبلغ في أي وقت؟!.

إن جميع اتفاقات البنوك والشركات الخدمية من كهرباء واتصالات وإنترنت وخلافها هي اتفاقات عرجاء تخدم طرفاً واحداً هو التاجر فهل حان الأوان لصياغة جديدة منصفة؟!.

الأمن قبل الترخيص

لقد حان الأوان للمطالبة بفرض الالتزام بمقاييس وشروط السلامة في جميع الأماكن التي يرتادها الناس سواء للشراء أو الترفية أو النزهة أو العلاج.

وقبل أن نطالب بفرض مقاييس وشروط السلامة، دعونا نؤكد أولاً على ضرورة تحديدها وكتابتها وصياغتها بشكل يقبل فرضها والمحاسبة عليها ثم نجعلها من أهم متطلبات الترخيص لأي منشأة سواء كانت للترفيه أو غيره.

فرض متطلبات السلامة هذه وتلافي وقوع الضرر ما أمكن إحدى دلالات رقي المجتمعات وتحضرها وفطنتها كما أنها أحد أهم متطلبات تلافي الضرر الصحي والجسدي والنفسي وفي الوقت ذاته أحد عوامل توفير الهدر الاقتصادي المتمثل في علاج أضرار جسدية ونفسية كان بالإمكان تلافيها بشيء من الحرص والحذر والدقة والمتابعة.

الواقع يشير إلى أننا نفتقر في مؤسساتنا التجارية بشكل خاص لأبسط مقومات السلامة والأمن للمرتادين، بل على العكس من ذلك فإن أسباب تعريض مستخدمي وسائل الترفيه والألعاب مثلاً لخطر الإصابات هي الأكثر توفراً بسبب محاولة المالك للتوفير والحصول على أكبر ربح مع أقل تكلفة في ظل عدم الرقابة والمتابعة الناجم عن غياب شروط السلامة أصلاً أو غياب فكرتها عن التطبيق أو غياب مجرد التفكير فيها وهذه عين المشكلة.

ولمن يريد أمثلة حية فليذهب إلى إحدى مدن الملاهي ويرى كيف أن الأطفال عرضة للموت في كثير من الألعاب دون رقيب في مستوى الحماية والإنقاذ.

بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى توفير أسباب الخطر بإيكال أمر الإشراف لمستويات من العمالة محدودة القدرات، فأذكر أن أحد مراكز الترفيه في الثمامة حاول العامل فيه منع الأطفال من الدخول للعبة الانزلاق العالية التي ينحدر فيها الطفل بسرعة عالية، وعندما لم يستطع، مد سلسلة بعرض مساحة الانزلاق من الأسفل لمنع الدخول ونسي أن عدداً كبيراً من الأطفال يقبع في أعلى المنزلق يستعد للهبوط وعدداً آخر يدخل من تحت الحاجز ويصعد ليتزحلق وان هذه السلسلة بالمرصاد لرقبة الطفل المندفع وسوف تجز رأسه دون شك، وقد وجدت صعوبة بالغة في إقناع ذلك العامل بإزالتها وانزال الأطفال دون اللجوء لقتلهم بهذه الطريقة.

في مراكزنا التجارية رغم بهرجتها التي تحث على الدخول والشراء إلا أنها لا تحتوي مخارج لخروج الطوارئ، فلو حدث حريق في مركز تجاري مزدحم فإن الضحايا سوف يصبحون أسرى للأبواب الكهربائية الفخمة شكلاً وغير المأمونة.

إننا في حاجة إلى التركيز على بند حماية الأرواح في مشاريع قطاعنا الخاص وان نحمل هذا القطاع المدلل تكاليف المحافظة على سلامة زبائنه مثلما يحافظ على ضمان حقوقه من جيوبهم في صورة دفع مقدم وضمانات ومبالغ تأمين وخلافه.

أكرر التذكير بأن التشدد في فرض شروط السلامة هو من مؤشرات الرقي ومن عوامل التوفير الاقتصادي إلى جانب العامل الأهم وهو المحافظة على الأرواح.

البطاقة الذكية.. المخصصات ليست حجة

قبل أكبر من سبعة أعوام كتبت عن موضوع عدم تساوي فرص العلاج بين المواطنين في مستشفياتنا المتقدمة حيث يمتلك البعض أكثر من ملف طبي في أكثر من مستشفى في المدينة الواحدة بينما لا يستطيع البعض الآخر مراجعة أي من هذه المستشفيات ويضطر إلى أن يعالج على حسابه الخاص رغم ارتفاع التكاليف.

ومنذ حوالي أربع سنوات تطرقت لنفس الموضوع مقترحاً استخدام الإمكانات المتاحة بالحاسب الآلي، وعن طريق رقم بطاقة الأحوال مثلاً، بحيث يتم ربط اقسام الملفات الطبية في المستشفيات ليمكن اكتشاف ازدواجية فرص العلاج وتحجيم الهدر الناتج عن تكرار نفس الفحوصات الإشعاعية بأنواعها ومنح المواطن الآخر فرصة الاستفادة منها لمرة واحدة.

وقد ورد آنذاك تعقيب من مستشفى قوى الأمن الداخلي يفيد بأن موضوع البطاقة الذكية يدرس لتحقيق ما أشرنا اليه من أهداف ضرورية وأساسية تمس اقتصاد البلد وصحة أفراده ومنع الضرر عن أفراد آخرين ربما يجهلون الضرر الناجم عن تكرار الفحوصات خاصة الاشعاعية منها.

ومنذ حوالي يومين أشار معالي وزير الصحة في برنامج “وجه لوجه” في التلفزيون إلى أهمية تطبيق “البطاقة الذكية” وركز على خطورة تكرار الفحوصات على المريض الى جانب ا الهدر الاقتصادي الناجم عن هذا التكرار.

السؤال المحير هو “هل تستغرق خطوة هامة وأساسية متفق على اهميتها كل هذا الوقت، ثماني أو أربع سنوات،؟! ولو توفر الحرص على تطبيق هذا الاجراء فهل من المعقول ان يتأخر كل هذا الوقت؟!!، علماً ان خطوات الكترونية مشابهة تم تطبيقها رغم ان فكرتها جاءت بعد هذه الفكرة ورغم انها اقل اهمية وأقل اولوية وأصعب تطبيقاً!! ومن هذه الخطوات على سبيل المثال لا الحصر تطبيق رقم بطاقة الأحوال في المخالفات المرورية حيث لا يمكن لك ان تسافر او تجدد اقامة مكفول او تنفذ اي عملية تمر على الحاسب الآلي دون ان تسدد المخالفة.

ان عصرنا الحالي هو عصر الحاسب الآلي الذي يدير كل اعمالنا المصرفية والمعلوماتية وبريدنا الالكتروني وهو الذي يربطنا بالعالم عن طريق الانترنت هل يعجزه ان يربط مستشفياتنا بهذه الجزئية البسيطة؟!

الجواب على هذا السؤال يوضح ان جل هذه المشكلة يكمن في عدم الحرص على حلها. وبالرغم من ان ظاهر هذه القضية يشير الى انها نتاج تقصير مشترك من كافة القطاعات التي توفر خدمات صحية، إلا ان الجانب الأهم فيها وهو توفير الرعاية الصحية للجميع بالتساوي ومنع الازدواجية المضرة بالصحة والمهدرة للمال يشير باصبع الاتهام لوزارة الصحة فالوزارة من المفترض ان تسعى لتحقيق تساوي فرص العلاج للجميع ومنع الضرر عن الجميع وعند عدم القيام بهذا الدور فإن الحجة تصبح صعبة للغاية فلا يمكن التحجج بعذر قلة المخصصات المالية في هذا الصدد لأنه دور تنسيقي وفرض لسلطة ولا يحتاج الى مخصصات بقدر حاجته الى دافع.

انني لا أرى مبرراً لتأخير تطبيق هذه البطاقة الذكية كل هذه المدة ولا اعتقد ان لهذه الخطوة اي تعارض مع الصالح العام يبرر التردد في تطبيقها وأيا كان موقف اطراف العملية فإن واجب الوزارة يحتم فرضها على أساس أنها جزء هام من الرعاية الصحية لكافة أفراد المجتمع!!

مؤتمرات بدون تكلف

أعتقد أن الوقت قد حان لأن تكون المملكة العربية السعودية مركزاً لانعقاد المؤتمرات والندوات العلمية في كثير من التخصصات التي وصلت فيها المملكة درجة التميز كالطب والصيدلة والهندسة والإدارة والقانون والمحاسبة وغيرها من التخصصات.

المملكة قادرة ومؤهلة لأن تكون وجهة للعالم في مجال احتضان المؤتمرات العلمية مثلما أنها وجهة لهذا العالم في كثير من المجالات الأخرى وعلى كافة الأصعدة الدينية والسياسية.

والمملكة في أمس الحاجة لاحتضان مثل هذه الأنشطة العلمية واستقبال أفواج المشاركين فيها من العلماء المتميزين البارزين في مجالاتهم فهؤلاء عادة ما يكونون من المحايدين المنصفين، المسموعة كلمتهم الصادقة شهادتهم. وفي دعوتهم لحضور مؤتمر علمي فرصة لاطلاعهم على ما وصلت إليه هذه البلاد من نمو وتطور ووعي يدحض كل اتهام.

وتوجه المملكة نحو تنشيط السياحة في الوقت الراهن يجعل من المناسب بل من الضروري أن يتزامن عقد المؤتمرات العلمية والطبية مع الظروف الملائمة للسياحة في المنطقة أو المدينة التي تحتضن المؤتمر فالغالبية العظمى ممن يبحثون في قوائم وتقاويم انعقاد المؤتمرات في أنحاء العالم يحسبون كبير حساب للموقع ومناسبته ودرجة جذبه كمعلم سياحي ليتحقق لهم صيد عصفورين ؛ العلم والسياحة معاً.

التنويع في التخصصات ومواضيع المؤتمرات يعني تنويع الضيوف وإعطاء فرصة لأكبر عدد ممكن من العلماء البارزين لزيارة المملكة والاستفادة مما لديهم من علم وإطلاعهم على ما لدينا من تطور واستخدامهم كصوت نقي وصادق وموثوق عندما يتحدث عما رآه ولمسه من تقدم المجتمع ووعي أفراده.

لدينا الجامعات والمؤسسات العلمية الأخرى والمدن العلمية والطبية، ولدينا القاعات عالية التقنية ولدينا البارزون في كثير من التخصصات القادرون على طرح أوراق علمية مميزة.

كل ما نحتاج إليه هو تكاتف الجهود لإنجاح التنظيم وهذه الجهود تشمل جميع الأطراف ذات العلاقة بمنح التأشيرة والسماح بالدخول وتسهيل مهمة الزيارات والسياحة، إلى جانب الفنادق والمطاعم ورجل الشارع، فلابد أن نكون مهيئين لاستقبال ضيوف المؤتمر وتقبلهم بصدر رحب يدرك الهدف من دعوتهم ويتعامل معهم على هذا الأساس وإلا فإن جميع أهدافنا من حضورهم قد تنقلب إلى الضد!!

كما أن من الضروري إذا ما أردنا أن نستضيف المؤتمرات العلمية الجادة بشكل مستمر أن نزيل التكلف في حفل الافتتاح وفي الولائم والمناسبات المصاحبة وأن لا نبالغ في كرم الضيافة فالواقع المؤسف أننا من البلدان القلة التي تؤمن السكن والتنقل والإعاشة لكل المدعوين في المؤتمرات، بينما نجد أن دولاً أخرى أكثر منا إمكانات مادية تقتصر استضافتها لثلاثة أو أربعة من البارزين علمياً المدعوين للتحدث بدعوة خاصة بينما يتكفل بقية المتحدثين في المؤتمر بتكاليف سكنهم وتنقلاتهم ويدفعون رسوم اشتراك تشمل قيمة الإعاشة مع أنهم متحدثون وأوراقهم البحثية مقبولة ومتميزة.

معايير حاجب الوزير

وظيفة مدير مكتب الوزير رغم أهميتها القصوى ونفوذها وخطورة ما قد تمارسه من تدخلات، تبقى الوظيفة الوحيدة البعيدة عن الرقابة العامة، والمستحوذة على السلطة والنفوذ والمميزات.

مدير المكتب بالنسبة للجمهور ونسبة الى الدور الذي يلعبه في تغيير مسار كثير من المعاملات والقرارات والشكاوى لا يقل أهمية عن الوزير في هذا الصدد وربما تفوق في هذا الجانب على وكيل الوزارة من حيث الأهمية وخطورة الدور.

يخضع اختيار الوزير ووكيل الوزارة لمعايير دقيقة يلعب فيها المؤهل والخبرة والشخصية الدبلوماسية دوراً كبيراً.

ما هي المعايير لدينا في اختيار وتوظيف مدير المكتب؟!، هل يشترط في تعيينه شهادة عليا أو خبرة وتمرس أو شخصية دمثة ومتميزة؟!.

الواقع ان هذه الوظيفة بالذات غير موصفة ولا تخضع لمعايير ومتطلبات رغم أهميتها البالغة.

صحيح أن الوزير هو من يختار مدير مكتبه وحري به أن يحسن الاختيار، ولكن ما هو دور جهات التوظيف في القبول أو الرفض بناء على معايير موضوعة مسبقاً من ضمنها المؤهل والخبرة والقدرات الإدارية نظراً للعلاقة المباشرة والحساسة بين مدير المكتب ومصالح الناس وقضاياهم وشكاويهم وتظلمهم.

معالي الوزير يقابل مسؤولياته الجسام والشخصيات الهامة داخلياً وخارجياً بوجهه هو كإنسان مؤهل لكنه يقابل الناس وصغار موظفيه بوجه مدير مكتبه وبناء على مزاج وقبول واقتناع مدير المكتب.

كما أن موظفي الوزارة شئنا أم أبينا يرون في مدير مكتب الوزير وزيراً آخر بحكم السلطة والنفوذ وحري بمن يتولى هذا المنصب وتلك المهمة أن يكون شخصية منتقاة مثل الوزير ووكيل الوزارة.

إن من الخطورة بمكان ترك هذه الوظيفة الهامة دون متطلبات ومعايير ومدة محددة لشغل الوظيفة!..

فكم من مدير مكتب حجب الواقع عن الوزير أو منع مشتكياً أو رد مظلوماً، وكم من مدير مكتب استخدم نفوذ الوزير في خدمته شخصياً أو خدمة أحد أقاربه بالتوظيف أو التعاون أو ترجيح الكفة وخاصة عندما يطول به المقام ويركن للاطمئنان.

فعندما يكون مدير المكتب معتقاً أو محنطاً في وظيفته أو يتكرر التمديد له أو التعاقد معه بعد التقاعد فإن الخطورة تكون أكبر وأكبر لأنه أصبح ممن تمرس وكسب صبغة النفوذ الدائم وشعر من حوله بقدرته على الثبات وأنهم إذا عارضوه أو تضجروا منه فإنهم كمن ينطح صخرة، وعندئذ يكون للوزارة وزيران، وزير المهام ووزير الأنام.

ولذا فإنني أقترح أن تخضع وظيفة مدير مكتب الوزير لضوابط ومتطلبات ومعايير دقيقة ومدة محددة لا تزيد عن أربع سنوات.

وحبذا لو اقتدى بعض الوزراء بقيادات هذا البلد من أبناء عبدالعزيز الذين حذوا حذو والدهم واتبعوا سياسة الباب المفتوح بمواعيد ثابتة لا تخضع للاستئذان من مدير مكتب.

فواتير الخدمات.. الرجل والنار

لازلت أرى ضرورة تكرار التحذير من اعتبار ارتفاع أسعار فواتير الخدمات وتراكمها على المواطن مجرد أداة للتندر في رسوم الكاريكاتير ودون اتخاذ إجراء عاجل يوازن بين دخل المواطن الشهري والتزاماته اليومية والشهرية.

هذا التندر ما لم يصاحبه جدية في إيجاد الحلول قد يتحول إلى عادة يتأقلم معها المسئول وتبدو له طبيعية، ومقبولة، يتقبلها المجتمع ولا يعاني منها جدياً ولا تعدو كونها طرفة مبالغ فيها كباقي “النكت” وهي ليست كذلك!!

يجب أن ننظر بعين الجد لعدم تناسب فواتير الخدمات الضرورية مع الدخل الشهري للمواطن العادي ناهيك عن الموظف بالأجور أو من لم يجد عملاً ويحصل على رزقه اليومي ورزق عدد من الأبناء بواسطة طرق كسب يومية غير مضمونة.

نحن لا نتحدث عن أسعار خدمات ترفيهية يمكن العيش بدونها مع الافتقار للترفيه، نحن نتحدث عن فواتير خدمات أصبحت أساسية للحياة كالكهرباء والماء والاتصالات والوقود (وقود الطبخ والتدفئة المتمثل في الغاز وليس الوقود المحرك لسيارة فارهة، هذا مع عدم إغفال أن تكلفة وقود السيارة العادية مرتفع أيضاً أو أن البدائل المتاحة لمن لا يملك سيارة والمتمثلة في سيارات الأجرة تكلفتها عالية مقارنة بالدخل والمرتب.

المواطن ذو الدخل المحدود يعاني كثيراً من ارتفاع أسعار الخدمات الأساسية وهذه المعاناة غير قابلة لمجرد التندر ويجب أن تطرح بشكل جدي ولعل أوضح دلالاتها هو اتجاه الشركات والمؤسسات بل والمتجر إلى أسلوب التقسيط، وهو حل مؤقت يشكل في حد ذاته مشكلة عظمى بدأت آثارها في الظهور ولكن هذا ليس موضوعنا الآن وسبق أن تحدث عنه المختصون في الاقتصاد كثيراً وحذروا من نتائجه الخطيرة.

عندما نتحدث عن ارتفاع أسعار الخدمات مقارنة بالدخل المتمثل في الرواتب والأجور فإن المقياس المناسب هم سكان الدخل والطرادية والعود والمرقب “هذا في الرياض” والأحياء المشابهة في المدن والقرى الأخرى وهؤلاء يجب أن يقاس عليهم ولا يكون القياس بغيرهم. وهذه المشكلة لا يمكن حلها بالتندر فقط بل بدراسة جادة تشكل فيها الآلة الحاسبة عنصراً هاماً ويشكل فيها تناسي الذات عنصراً أهم!!، فالإنسان بطبيعته قد ينشغل عن المشاكل التي لا يعاني منها (النار لا تحرق إلا رجل واطيها) فلا تتوقع من موظف يزيد راتبه الشهري عن عشرة آلاف ريال أن يشعر بأن فاتورة الخدمات تعتبر “حارقة” حتى لو بلغت ألف ريال شهرياً. والمشكلة الأكبر أن الموظف كلما ارتقى في السلم الوظيفي كلما زادت عنه الاعفاءات حتى يصل مرتبة تعفيه من تسديد رسوم بعض الخدمات أو تسدد عنه وهنا فإن من الصعب أن يتذكر ارتفاعها ما لم يذكر بها بأسلوب جاد وبالآلة الحاسبة وهذا ينطبق على القائمين على تقديم هذه الخدمات والإشراف عليها.

شبح (لا يخدم بخيل)

في الوقت الذي تعاني فيه دول كثيرة من دول العالم الثالث وبعض الدول العربية من مشكلة الرشوة بشكل كبير، حيث لا يمكن أن يكتب لأي معاملة أو إجراء نظامي مستحق أن يسير دون “دهن السير” في نقاط عديدة وبشكل ظاهر على مختلف المستويات، الأمر الذي شكل عبئاً كبيراً على مواطني هذه الدول إضافة إلى عبء النسب العالية للضرائب، مما جعل سير الإجراءات الحكومية يعتبر شبه مستحيل على مواطن تلك الدول من الشريحة الكبيرة محدودة الدخل أو حتى متوسطة الدخل ومما خلق تفاوتاً كبيراً جداً بين مواطني هذه الدول، وجعل من المستحيل على الرجل العادي أن ينافس رجلاً ثرياً في سرعة إنهاء إجراءاته الروتينية ناهيك عن الحصول على حق أو منع باطل طالما أن التنافس بين قادر على الدفع وآخر غير قادر.

أقول في الوقت الذي تتحكم الرِّشوة أو ما يسمى تحايلاً “الإكرامية” في سير الإجراءات في تلك الدول فإننا هنا لا نعاني من هذه الظاهرة ويقتصر العامل المتحكم في سرعة الإجراءات عندنا على توفر معرفة أو “واسطة” لتسريع إنهاء الإجراءات أو التوظيف أو الحصول على منفعة.

ورغم أننا نعاني من تفشي ظاهرة الحاجة إلى “واسطة” للإسراع في إنهاء الإجراءات الروتينية اليومية وهي مشكلة أرهقت الدولة لصعوبة السيطرة عليها إلا أنه إحقاقاً للحق فإن تأثيرات المعرفة أو “الواسطة” لم تصل إلى حد سلب حق لشخص خدمة لغيره، فالواسطة في الغالب الأعم تختصر إجراءات روتينية بطيئة على شخص دون آخر أو تحرج المسئول بقبول طلب ما كان ليقبله دون تدخل من عزيز عليه أو ممن سبق أن قدم له خدمة مشابهة، وهذا لا يعفي من القول أن بعض تجاوزات الواسطة تكون على حساب الغير، فالحصول على مقعد في طائرة أو كرسي في جامعة أو سرير في مستشفى أو وظيفة ضمن فرص محدودة أو نقل معلمة في زمن استحالة النقل كل هذه أمثلة لصور من التفضيل المضر بالغير.

الشيء المميز للواسطة عن الرِّشوة هو أن النفوذ فيها ليس حكراً على الغني وهذا ما أحاول الوصول إليه فقد يستطيع شخص بسيط جداً ومحدود الدخل أن يستعين بمعارفه في تسهيل أمور كثيرة قد لا يقدر عليها مليونير ليس له واسطة.

هذا ما قصدته من المقارنة بين وضعنا ووضع غيرنا في هذا الصدد ولم أكن أقصد بأي حال إضفاء الشرعية على الواسطة أو إبداء الرضى عنها والقبول بها كظاهرة.

لعلي أعتبر كل ما ذكرته أعلاه مقدمة للتحذير مما هو أخطر وهو تحول القناعات تدريجياً من الاقتناع بأن الواسطة شر لابد منه إلى التسليم بأن مقولة “لا يخدم بخيل” يمكن تطبيقها على تسهيل الإجراءات الحكومية أو الحصول على حق وهو ما يلوح به البعض أحياناً بطريقة غير مسئولة.

نعم لا يخدم الأجير بخيلاً لأنه يريد أجره كاملاً، أما موظف الدولة فقد دفعت الدولة أجره بسخاء ليخدم المراجع دون مقابل ولعل هذا السخاء هو سر من أسرار سلامتنا من داء الرِّشوة في مجال إنهاء المعاملات والإجراءات اليومية مما جعل النزاهة هي الصفة السائدة في مجتمعنا، أما الشواذ فإن لدينا الجهات التي تعمل بجدية على اجتثاثها، والكمال لله وحده

تجارة موظف الدولة!!

يمنع النظام وبشدة أن يمتلك الموظف الحكومي متجراً أو مؤسسة أو يفتح سجلا تجاريا، أي أن عليه أن يختار بين أن يتفرغ للعمل الحكومي أو أن يتحول للتجارة بالاستقالة أو التقاعد.

نظام رائع وهام وربما يبدو للوهلة الأولى أنه يهدف فقط لتفرغ الموظف الحكومي للمسؤولية المناطة به وضمان عدم انشغاله بأعمال خاصة حتى خارج وقت الدوام على أساس (ماجعل الله لرجل قلبين في جوفه) فمهما ادعى التوفيق بين مسؤوليات العمل الحكومي وأعماله الخاصة فإنه لابد أن يميل لمصلحته ويخرج وقت الدوام ويفضل مصالحه الخاصة على حساب مصالح الناس وعمل يتقاضى عليه أجرا مجزياً.

الأنظمة والأحكام واللوائح في هذا الصدد تهدف إلى أكبر من مجرد التفرغ بل لتلافي سلبيات كثيرة قد تنجم عن الجمع بين عمل حكومي وعمل تجاري خاص ومنها على سبيل المثال لا الحصر استفادة المؤسسة التجارية من تسهيلات ونفوذ المسؤولية الحكومية عن طريق الموظف نفسه أو علاقاته بحكم وظيفته وهو أمر متوقع عندما نؤمن أن النفس البشرية ضعيفة وتأمر بالسوء!

هذا النظام مثله كغيره عرضة للتحايل عليه بطرق خفية يصعب كشفها، مثل تغيير اسم المالك والاختفاء خلف اسم ابن أو أخ أو صديق حميم موثوق، وهذا من أشكال التحايل أو التستر التي يصعب كشفها أو إثباتها إذا اكتشفت ولا يمكن المطالبة بكشفه فمن المستحيل على أية جهة رقابية مهما بلغت أن تسعى لفضح مثل هذا الاختفاء إلا إذا شاء الله له أن يفتضح بخلاف بين الشركاء أو فضيحة مالية أو خلافه.

وحسب علمي فإن نظام المنع هذا لم يطرأ عليه أي تغيير أو تساهل أو مرونة ولذا فإنني أستغرب أن تتحول هذه الممارسة من العمل في الخفاء بخوف وخجل إلى التبجح والإعلان دون خوف ولا حياء.

قد يعلم الناس أو بعضهم أن هذه المؤسسة أو تلك تتبع لفلان أو يساورهم الشك في هذه التبعية من واقع بعض المعطيات، لكن أن يقوم الشخص نفسه وبكل بجاحة وعدم حياء بالتحدث عن مؤسسته وحثِّ زملائه في الدوائر الأخرى على دعمها وتشجيعها والتعامل معها كل هذا وهو على رأس العمل فهذا ينم عن استهتار وجهر بممارسة خاطئة وحث للغير على سلوك نفس المسلك الخاطئ بل ربما وصل الأمر إلى أن يخاطب زملاءه خطيا طالبا إعطاء التسهيلات لمؤسسته وتوزيع بطاقات تعريف بشخصه كمرجعية لهذه المؤسسة!

ولا أعتقد أن أمن العقوبة يلعب دورا هنا لعلمي أن الدولة أعزها الله جادة كل الجد في محاربة مثل هذه المخالفات لكن النفس تنجذب للممارسة الخاطئة بفعل تزيين الشيطان لها سوء العمل حتى يوصلها إلى درجة من الإمعان في الخطأ تشعر بعده أن ما تفعله أمر طبيعي ومألوف ومقبول إلى درجة الجهر بالاثم مما يجعل الشخص لا يستتر إذا ابتلي ويتبنى “مشورة” الشيطان دون شعور أو حس أو خوف حتى يقع وسوف يقع! !

تلفزيون الفرص الضائعة

ثلاثة أحداث حدثت في فترة زمنية واحدة على أرض هذا الوطن، وجميعها لها مؤشرات إيجابية دون أدنى شك ولكن بتفاوت يرجح كل منها على الآخر ويرجح اثنان منهما على الثالث بشكل كبير جداً.

نجاح المهرجان الوطني للتراث والثقافة (جنادرية 17) ونجاح عملية فصل التوأمتين السياميتين السودانيتين “في المملكة” ونجاح منتخب المملكة لكرة القدم في الحصول على كأس الخليج الخامسة عشرة.

دعونا بواقعية وموضوعية نتفحص أهمية كل منها من جانب مردوده الإيجابي على المملكة عالمياً من وجهة نظر إعلامية، وفي هذا الوقت بالذات ودلالات كل واحد منها على تطوير إنسان هذا البلد علمياً وفكرياً وهي المقاييس الحقيقية لتقدم الأمم والتي تستخدم لتصنيف البلد ضمن الدول المتقدمة أو النامية أو تحت النامية أو المتخلفة. ثم نرى كيف تعامل معها إعلامنا الرسمي وخاصة قنواته الفضائية التي يفترض أن تأخذ في الاعتبار الأهمية العالمية للحدث ونقله للعالم ليعكس الصورة الناصعة لما نعيشه من تقدم في هذا البلد وانصاف المملكة بوضعها في موضعها الذي تستحقه ضمن الدول المتقدمة.

المهرجان الوطني للتراث والثقافة في جانبه التراثي يمثل تجسيداً واضحاً وسهلاً وممتعاً لمستوى النقلة العظيمة التي تحققت في هذا الوطن بين ماض قريب يفتقد لأبسط مقومات الحياة من أمن وعلم وصحة إلى حاضر أصبح فيه نفس الوطن مدرسة أمنية ومركز تصدير للمعرفة وتدريب للخبرات وأنموذجاً للرعاية الصحية المتقدمة. وفي جانبه الثقافي المتميز هذا العام يمثل مهرجان الجنادرية ريادة المملكة عربياً وإسلامياً في المجال الثقافي وتبنيها للحوار الواعي الصريح حول قضايا الأمة والعالم أجمع.

وفي كلا الجانبين التراثي والثقافي ترد الجنادرية على ما يحاول الإعلام الغربي والأمريكي بصفة خاصة ترويجه هذه الأيام عن المملكة.

تلفزيوننا العزيز بذل جهداً يسيراً في متابعة الجانب التراثي وغاب عن الجانب الثقافي ولم يعطه ما يستحق من أهمية.

عملية فصل توأمتين ملتصقتين سودانيتين “في المملكة” وهي عملية معقدة بكل المقاييس ونادرة ونجاحها أندر ويعتمد على قدرات وإمكانات العنصر البشري متعدد التخصصات أكثر من اعتماده على الأجهزة المستوردة وعندما يتخصص فريق طبي سعودي في إجرائها بكفاءة ونجاح، وعندما تجرى في مستشفى حكومي سعودي ويصبح مرجعاً علمياً في هذا المجال للعالم أجمع فإن لهذا الإنجاز دلالات كثيرة ومتعددة منها أن نعمة الرخاء والتطور التي تعيشها المملكة ليست حكراً على مواطنيها بل شملت أبناء الأمة العربية والإسلامية ويجسدها سرعة تجاوب ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز مع برقية والد التوأمتين (نصف ساعة فقط كما ذكر الأب في تصريحاته).

ومنها أن المواطن السعودي تفوق على غيره في عدة مجالات تحتاج إلى علم وفكر ووعي وممارسة وخبرة وهذا لا يمكن أن يحققه إلاّ مواطن يعيش في بلد متقدم ويجد البيئة المناسبة للنبوغ والبروز.

تلفزيوننا العزيز اكتفى بخبر مقتضب في نشرة الأخبار عن عملية فصل التوائم السيامية رغم أنه طلب منه عرض مقاطع منها على الهواء مباشرة، ورغم أن مصور التلفزيون أخذ للقطات متعددة لمراحلها وسجل حديثاً مع الفريق الطبي الذي أجراها وبذل المصور إضافة إلى فريق التصوير بالعلاقات العامة للحرس الوطني جهداً كبيراً في التصوير من داخل غرفة العمليات إلاّ أن هذا كله لم يرَ النور باسثتناء الخبر القصير آنف الذكر في نشرة الأخبار.

وحقق منتخب المملكة كأس الخليج في كرة القدم وتحقيق أي دولة لكأس في كرة القدم أمر مفرح على مستوى وطني وكرة القدم تحظى بشعبية كبيرة عالمياً، هذا لا خلاف عليه، لكن البروز في مجالها والفوز ببطولاتها لا يعني بالضرورة تطور البلد الفائز وتقدمها بل أن الواقع يشير إلى العكس فأقل الدول إمكانات وتطوراً وأكثرها فقرًا تصنف ضمن الدول القوية في مجال كرة القدم وتصدر أعلى اللاعبين سعراً في العالم.

الأورغواي، الكاميرون، نجيريا، إلى جانب البرازيل والأرجنتين وكولومبيا جميعها دول لها إنجازات كروية كبيرة بينما لم تعرف اليابان والولايات المتحدة الأمريكية كرة القدم إلاّ حديثاً ولم تحقق إنجازاً كالذي حققته الأورغواي مثلاً.

وباستثناء شهرة بعض الدول عالمياً فإن الفوز في كرة القدم لا يحقق تصنيفاً عالمياً يضع الدولة ضمن مصاف الدول المتقدمة.

تلفزيوننا العزيز شهد أطول فترة بث مباشر ليلة الفوز بكأس الخليج بدأ منذ السابعة مساء وحتى قرب فجر اليوم التالي، ولم يكتف بنقل المباراة والتحليل الفني بل بث تغطية مباشرة من الفندق بعد المباراة.

أنا لست ضد كرة القدم والاهتمام الإعلامي بها والتركيز عليها وإن كنت أرى أن الصحافة المحلية كفيلة بتغطية ومتابعة الفرح الشعبي بالفوز في حين يجب أن يسخر التلفزيون بقناتيه إمكانياته ووقته لنقل الإنجازات الفريدة التي تعكس تطوراً علمياً وتقنياً وفكرياً وطبياً يدحض جميع الإعلام المضاد ويعرف شعوب العالم بأن المملكة ليست كما يصورها الإعلام الغربي فالإعلام الرسمي هو المخول بذلك والأقدر عليه من حيث سعة الانتشار والشريحة التي يصل إليها عالمياً عبر الفضاء لكن ذلك لم يحدث مع إنجازات كبيرة كالجنادرية وفصل التوائم وحدث بمبالغة مع نصر كروي وهنا أترك الحكم للقارئ مكرراً أنني لست ضد الاهتمام بالرياضة ولكن ليس على حساب الأهم وطنياً لأن التلفزيون بهذه الطريقة يضيع عدداً من الفرص السهلة لتسجيل أجمل الأهداف.

زائر الفجر الأمريكي

في وقت الرخاء نجح الإعلام الأمريكي في إيهام العامة داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية بأن النظام القضائي الأمريكي يمثل قمة العدالة وأن ما يسبق الإحالة إلى المحاكمة من إجراءات ونظم وجمع أدلة واعتقال والإخراج بكفالة مالية جميعها تضمن تعامل السلطات مع المتهم على أنه بريء إلى أن تثبت إدانته وتكفل جميع حقوقه في الحصول على محاكمة عادلة مهما بلغت بشاعة جريمته وإزعاجها للرأي العام.

لم تقتصر وسائل ترسيخ هذا المفهوم على أفلام هوليود والقصص والروايات والأخبار الصحفية بل تعدت ذلك إلى تغطية إعلامية حية ومتصلة لسلسلة من التحقيقات والمحاكمات لعدد من الرؤساء أو المشاهير بطريقة جعلت كل من يتابعها من داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية ينبهر من دقة وحذر وعدالة التحقيقات وجمع الأدلة واستبعاد أدلة الإدانة التي جمعت قبل الحصول على إذن أو لم تجمع بالطرق القانونية ولعل أكثر سكان الكرة الأرضية انبهاراً بهذا النهج الأمريكي هم شعوب العالم الثالث الذين يرون في القوانين الأمريكية وخاصة الحقوقية منها نعمة يحسد عليها الشعب الأمريكي وهذا ما تريده أمريكا.

التغطية المكثفة لتفاصيل قضية لاعب كرة القدم الأمريكية الممثل المليونير الشهير أوجيه سيمسون ونقل جميع فصول محاكمته حية على الهواء منذ مطاردته هارباً في شوارع لوس أنجلس إلى جلسة تبرئته بحجة عنصرية ضابط الشرطة واحتمال زرع الأدلة الدامغة ضده. هذه القضية وما آلت إليه من حكم البراءة غير المتوقع بعث رسالة أمريكية تقول بأنه حتى الأمريكي الأسود المتهم بقتل زوجته البيضاء يمكن تبرئته رغم قوة الأدلة إذا حظي بفريق دفاع قوي الحجة.

ثم جاءت قضية التحرش الجنسي التي تهم بها الرئيس الأمريكي السابق كلينتون وما صاحبها من أحداث طلبِ استجوابه من قبل المدعي العام والإدلاء بشهادته وما تعرض له من أصناف الإحراج كانت رسالة أخرى أكثر قوة.

كان هذا في وقت الرخاء، والاستعراض لا يتم إلا في ظروف الرخاء!!.

أما عند أول امتحان حقيقي في ظروف الشدة فقد أثبت الأمريكيون أنهم لا يتميزون مطلقاً عن الأنظمة الدكتاتورية التي يسخرون منها فقد تفنن الأمريكيون بعد أحداث 11سبتمبر في اعتقال السعوديين والعرب والأمريكيين المسلمين وإيداعهم السجون أشهراً عديدة دون إثباتات ولمجرد تشابه أسماء ودون محاكمة. وتحول الإعلام الأمريكي مع أول اختبار من الادعاء بالمطالبة باحترام حقوق الإنسان وصيانة حريته إلى محرض على التمييز العنصري والإقليمي والعقائدي ومؤيد للممارسات غير الإنسانية حتى أضحى “زائر الفجر” سمة أمريكية بعد أن كان مثار سخرية من قبل الإعلام الأمريكي عندما يتناول أنظمة دول العالم الثالث.

لقد اكتشف المنخدعون بالحرية الأمريكية أنها مجرد انعكاس لحالة الاستقرار وأن تقييد الحريات وهضم حقوق الإنسان وامتهان كرامته كانت صفحات كامنة جاهزة للخروج عند الحاجة ولا يغطيها سوى غطاء رقيق، هش ولمّاع انخدع به الكثيرون وسرعان ما انكشف مع أول هزة.

الولايات المتحدة بتلك السلوكيات المنافية للحرية والإنسانية ستخسر الكثير على صعيد الثقة والمصداقية بما لا يقل عن خسائرها البشرية والاقتصادية في يوم 11سبتمبر.