اليوم: 9 فبراير، 2002

شبح (لا يخدم بخيل)

في الوقت الذي تعاني فيه دول كثيرة من دول العالم الثالث وبعض الدول العربية من مشكلة الرشوة بشكل كبير، حيث لا يمكن أن يكتب لأي معاملة أو إجراء نظامي مستحق أن يسير دون “دهن السير” في نقاط عديدة وبشكل ظاهر على مختلف المستويات، الأمر الذي شكل عبئاً كبيراً على مواطني هذه الدول إضافة إلى عبء النسب العالية للضرائب، مما جعل سير الإجراءات الحكومية يعتبر شبه مستحيل على مواطن تلك الدول من الشريحة الكبيرة محدودة الدخل أو حتى متوسطة الدخل ومما خلق تفاوتاً كبيراً جداً بين مواطني هذه الدول، وجعل من المستحيل على الرجل العادي أن ينافس رجلاً ثرياً في سرعة إنهاء إجراءاته الروتينية ناهيك عن الحصول على حق أو منع باطل طالما أن التنافس بين قادر على الدفع وآخر غير قادر.

أقول في الوقت الذي تتحكم الرِّشوة أو ما يسمى تحايلاً “الإكرامية” في سير الإجراءات في تلك الدول فإننا هنا لا نعاني من هذه الظاهرة ويقتصر العامل المتحكم في سرعة الإجراءات عندنا على توفر معرفة أو “واسطة” لتسريع إنهاء الإجراءات أو التوظيف أو الحصول على منفعة.

ورغم أننا نعاني من تفشي ظاهرة الحاجة إلى “واسطة” للإسراع في إنهاء الإجراءات الروتينية اليومية وهي مشكلة أرهقت الدولة لصعوبة السيطرة عليها إلا أنه إحقاقاً للحق فإن تأثيرات المعرفة أو “الواسطة” لم تصل إلى حد سلب حق لشخص خدمة لغيره، فالواسطة في الغالب الأعم تختصر إجراءات روتينية بطيئة على شخص دون آخر أو تحرج المسئول بقبول طلب ما كان ليقبله دون تدخل من عزيز عليه أو ممن سبق أن قدم له خدمة مشابهة، وهذا لا يعفي من القول أن بعض تجاوزات الواسطة تكون على حساب الغير، فالحصول على مقعد في طائرة أو كرسي في جامعة أو سرير في مستشفى أو وظيفة ضمن فرص محدودة أو نقل معلمة في زمن استحالة النقل كل هذه أمثلة لصور من التفضيل المضر بالغير.

الشيء المميز للواسطة عن الرِّشوة هو أن النفوذ فيها ليس حكراً على الغني وهذا ما أحاول الوصول إليه فقد يستطيع شخص بسيط جداً ومحدود الدخل أن يستعين بمعارفه في تسهيل أمور كثيرة قد لا يقدر عليها مليونير ليس له واسطة.

هذا ما قصدته من المقارنة بين وضعنا ووضع غيرنا في هذا الصدد ولم أكن أقصد بأي حال إضفاء الشرعية على الواسطة أو إبداء الرضى عنها والقبول بها كظاهرة.

لعلي أعتبر كل ما ذكرته أعلاه مقدمة للتحذير مما هو أخطر وهو تحول القناعات تدريجياً من الاقتناع بأن الواسطة شر لابد منه إلى التسليم بأن مقولة “لا يخدم بخيل” يمكن تطبيقها على تسهيل الإجراءات الحكومية أو الحصول على حق وهو ما يلوح به البعض أحياناً بطريقة غير مسئولة.

نعم لا يخدم الأجير بخيلاً لأنه يريد أجره كاملاً، أما موظف الدولة فقد دفعت الدولة أجره بسخاء ليخدم المراجع دون مقابل ولعل هذا السخاء هو سر من أسرار سلامتنا من داء الرِّشوة في مجال إنهاء المعاملات والإجراءات اليومية مما جعل النزاهة هي الصفة السائدة في مجتمعنا، أما الشواذ فإن لدينا الجهات التي تعمل بجدية على اجتثاثها، والكمال لله وحده