الشهر: مارس 2002

الجعجعة والطحن.. القول والعمل

عندما تتحدث الأفعال عن نفسها فإن الفاعل ليس في أدنى حاجة للحديث. وإذا تحدث لمجرد التذكير بما فعل “والمنة لله وحده” فإنه لن يحتاج إلى الإيضاح والتوضيح لأن أعماله واضحة والناس العالمون.

كيف ستكون حالنا لو أن كل مسئول عن قطاع تحدث بإسهاب عن أعمال لم يعلم بها العالمون ولم يشاهدها المبصرون ولم يسمع عنها من ليس به صمم؟!.

بطبيعة الحال فإن النقاد والكتبة سوف يتساءلون عن شيء لم يشاهدوه وسوف يعلقون ويبدون الملاحظات خاصة عندما يكون ما ذكر خلاف ما يعيشونه ويعانونه مع أبنائهم.

وكيف ستكون حال الصحف لو أفردت صفحة أو نصف لكل مسئول لكي يصر على أنه فعل شيئاً لم يشاهده غيره؟!.

ستكون صحفنا لوحات إعلان عن أشياء غير مرئية وهذا بالنسبة للناس أمر غير مستحب أو ربما يصل إلى درجة البغيض.

كم هو جميل أن ندع أفعالنا تتحدث عن نفسها ولا ضير أن نعرف الناس بها إذا كانت من فئة الخدمات أو الفرص التي قد لا يعلم عن توفرها نسبة بسيطة من الناس ويتيح لهم الإعلام الاطلاع عليها للاستفادة منها.

أما ما يتعلق بتغيير النهج أو السياسات لخدمات أساسية قائمة وتعتبر جزءاً من حياتنا كالتعليم أو الصحة فإن أي إضافة فيها سيلمسها الناس ويتحدثون عنها قبل أن يتحدث فاعلها وإذا لم يرها الناس فإنها غير موجودة أصلاً، أو لم تكتمل بعد، أو هي مجرد حلم لا يجب الاستعجال في تفسيره، فحتى الأحلام إذا طالت وطولت وكثر فيها الحديث فإنها لا تعدو أضغاث أحلام لا تستحق التفسير.

ثم ماهي هذه الإسطوانة الجديدة التي بدأ البعض في ترديدها عندما يوجه النقد إلى وزارة أو قطاع والمتمثلة في القول بأن العاملين في هذه الوزارة من وكلاء ومساعدين ومدراء عامين ساءهم أنهم يعملون دون كلل أو ملل ثم لا يقدر الإعلام عملهم وأنهم شعروا بالإحباط فطلبوا من رئيسهم إنصافهم من النقاد ومن الكتاب؟!.

هؤلاء إذا كانوا قد عملوا ولم تظهر نتائج عملهم في صورة إنجاز ملموس يراه الناس فإن عليهم أن يكتفوا بتقدير رئيسهم المباشر “إذا كان قد رأى عملهم” أو أن ينتظروا النتائج وتقدير الناس لما أنجزوه فعلاً وليس من حقهم لوم المجتمع ممثلاً في إعلامه الناطق بنبضه إذا طالبهم بتحسين خدمة أساسية يعيشها كل لحظة ودقيقة ويعتمد عليها في تنشئة أجياله القادمة.

إن العبرة في كل عمل بنتائجه، وكل عامل مهما رقى في درجته ومرتبته الوظيفية يعمل بمقابل يوازي أو يزيد على ما قدم من جهد، بل كلما ارتقى الموظف إلى المراتب العليا كلما زاد أجره ومميزاته عن حجم جهده والمنة لله وحده ثم لهذا الوطن الذي يمثل المواطن لبنته الأساسية ويمثل الإعلام نبض هذه اللبنة.

وعندما يحول الإعلام هذا النبض إلى صوت مسموع فإن هذا هو عين العدل.

الفساد الإداري.. العلاج بالكي

عندما ذكرت سابقاً اننا لا نعاني في تعاملاتنا اليومية من الرشوة بمثل معاناتنا من الواسطة، لم أكن أقصد بأي حال من الأحوال نفي احتمال وجود الفساد الاداري أو القليل من شأن الرشوة كمشكلة.

لقد اقتصر ماذكرت على الاسراع في انهاء الاجراءات اليومية الروتينية، فذكرت انه في الوقت الذي تعاني فيه المجتمعات في بعض الدول من ضرورة دفع الرشوة في شكل اكرامية لانهاء أي اجراء روتيني فإننا نعاني أكثر من ضرورة وجود معرفة أو واسطة لانهاء أي اجراء أو التسريع في انهائه.

الفساد الاداري لا يمكن نفيه عن أي مجتمع، شأنه في ذلك شأن أي فساد من أي نوع، لكننا وبحكم ظروف مجتمعنا ومستوى المعيشة فيه لا نعاني من الرشوة على مستوى التعاملات اليومية بقدر معاناتنا من الواسطة، وذلك مقارنة بالمجتمعات الأخرى، أي ان الأمر نسبي وليس في حكم المطلق.

وللتذكير فإنني سبق ان اقترحت أن تعامل الرشوة كالمخدرات وأن نعترف بها كمشكلة ونتناولها إعلامياً بصراحة ومكاشفة وتوعية مكثفة، بحيث نجعل المرتشي يشعر بأن نظرات التأنيب تتجه إليه ممن حوله ومن أفراد أسرته عندما تتناول حلقة تلفزيونية أو مسلسلة أو تمثيلية موضوع الرشوة والمرتشين فيحس وسوف يحس بأنه المقصود رغم انه الوحيد الذي يعرف انه ضمن المقصودين.

نحتاج إلى حملة إعلامية وتفتيشية وتشهيرية تجعل الفاسد ادارياً يعيش في قلق رادع ورعب مستمر وخوف يبعد هاجس أمن العقوبة، مهما كان وزنه وأهميته، وتأنيب ضمير يقلق مضجعه الوثير عله يراجع نفسه فيتوقف.

نريد برامج دينية يتحدث خلالها أهل العلم والذكر باستمرار مذكرين بمصير المال الحرام وما ينتظر كاسبه من عقوبة، وخطب جمعة تتطرق لموضوع الفساد الاداري والرشوة تحديداً وكيف انها تنقلب وبالا على المتعاطي فيها في الدنيا والآخرة.

تجربتنا في تكثيف الحملة على المخدرات أيقظت العديد من النيام ممن لم يكونوا يعلموا بغزو هذا الداء لبلادنا، ولم يكن الواحد منهم يتوقع أن السلوك الغريب لابنه أو أخيه أو صديقه أو والده ناجم عن تعاطي المخدرات، إلى جانب ايقاظ المتعاطي نفسه وهو الهدف الأول. كل هذا تحقق بالمصارحة والمكاشفة والتكثيف الإعلامي المركز حتى أضحى كل صغير وكبير يعي خطورة المخدرات وفي حالة تأهب لغزوها الأمر الذي ضيق على المروجين والمهربين وجعل مهمتهم أكثر صعوبة فتمت محاصرتهم من جميع الأطراف، مواطنين وسلطات أمنية، بعد أن كانت السلطات تجاهد هذا الداء بمعزل عن عون الأفراد ووسط تكتم شديد كان خلاله الحديث عن المخدرات في حكم الممنوع فكاد السوس أن ينخر في عظامنا دون أن نشعر أو نعترف.

الرشوة حالياً أو الفساد الاداري لا تختلف حاله عن حال المخدرات سابقاً ويجب أن نتعامل مع هذا الداء مثلما تعاملنا مع المخدرات بالمكاشفة والعقاب والملاحقة وتكثيف الحملة الإعلامية ضده فهذه الأمراض يستعصي علاجها دون كي.