الشهر: فيفري 2010

قريد الخطوط وقرد الاتصالات

يبدو أننا نعاني معاناة شديدة مع قصور في مفاهيم جذب العميل بالعمل لا بادعاء العمل، وانعدام تام لثقافة المنافسة بتقديم المغريات، وكنت أتصور أن قصور المفهوم يعاني منه مقدم الخدمة أو الشركة الخدمية، لكن المواقف المتعددة لهيئة الاتصالات نحو حرمان المشترك من مميزات عنصر المنافسة أثبتت أن المشكلة أكبر من مجرد قصور في مفاهيم الشركات، وأنها إنما تتمثل في انعدام لثقافة الاستفادة من التخصيص وتعدد مقدمي الخدمة الواحدة في ما يعود على المواطن أو العميل بالفائدة من هذه التعددية.
قصور مفهوم جذب العميل بالعمل رأيته يتمثل في سلوكيات الخطوط السعودية المبنية على تقديم تجاوزات ومميزات غير مستحقة للعميل لمجرد أنه صحفي أو كاتب قد يخدم الخطوط بخبر أو مقالة تخدم مدير إحدى المحطات أو مديرا في الخطوط نفسها، ولعل أوضح الأمثلة تجاوزا أو أكثرها حدوثا ما يسمى (أب قريد) وهو تحويل راكب يحمل تذكرة سياحية إلى الدرجة الأولى، مع أنه لا يستحق ذلك الإجراء فهو قد دفع قيمة تذكرة سياحية ولا يحق لموظف أن يمنحه ميزات يفترض أن يشتريها بقيمتها المادية، وليس بقيمته هو أو قيمة استفادة مدير المحطة من قلمه إذا كان كاتبا أو شعره لو كان شاعرا أو نفوذه إن كان ذا نفوذ.
الأدهى والأمر إذا كانت عملية الترقية تلك على حساب راكب آخر حول من الدرجة الأولى إلى السياحية ليحتل المحتفى به مكانه!!. لله در الصدف، فقد صادف أن يكون المعنى المقابل لتعريب اللفظ الإنجليزي (أب قريد) هو والد صغير القردة، وهل أقبح من القرد إلا (وليده)، وحتى بالنسبة للراكب المظلوم فإن التصرف يدخل تحت (قرادة) الحظ، ومرتكب الفعل المشين هذا لو وجد من يحاسبه فإنه سيكون (مقرودا) هو الآخر، ولكن واقع الحال يقول ابشر بطول سلامة يا من عملت (أب قريد)، الموضوع برمته يذكرني بفلم كوكب القردة.
أما انعدام ثقافة المنافسة فليس أدل عليه وأكثر إيلاما من المواقف السابقة واللاحقة لهيئة الاتصالات، مع محاولات مقدمي الخدمة لمنح إغراءات مستحقة تشكل تسهيلا للمشتركين هم في أمس الحاجة له فموقف هيئة الاتصالات الجديد (لا أسميه الأخير لأنه لن يكون الأخير وستذكرون) والمتمثل في حرمان المشتركين من مجانية استقبال الاتصال الدولي، موقف غريب وينم عن غياب لثقافة الإفادة من التنافس في ما ينفع المشتركين، وقد كان لهيئة الاتصالات موقف مشابه عندما طرحت شركة الاتصالات السعودية ميزة الشهر المجاني، لكن الهيئة تراجعت عن موقفها بعد إصرار مقدم الخدمة بنظامية هذا الإجراء، والتراجع وإن كان بطريقة صامتة مخجلة لم تشرح لا أسباب الرفض ولا حيثيات التراجع، إلا أن الوضع في مجمله يدل على عداوة الهيئة لكل ما يخدم المشترك.
إذا كانت هذه ثقافة التخصيص وتنويع مصادر الخدمة لدينا، فهل يعني هذا أنه لو وجد مستقبلا منافس حقيقي للخطوط السعودية فإننا لن ننعم بمميزاته وسعيه لكسب ود كل الركاب عن طريق (أب قريد) نظامي؟!.

التنمية المستدانة

لا يكاد يمر يوم إلا ونطالع مقالا أو تحقيقا صحافيا أو رسما كاريكاتوريا يصف كل منها المواطن الذي بنى أو يحاول أن يبني مستقبله على أساس من الديون والقروض البنكية والسُلف.
دعوني أستذكر منها ما صدر مع إطلالة العام الهجري الجديد؛ ففي جريدة الجزيرة الغراء وحدها، وتحديدا في الخامس من المحرم من هذا العام الجديد 1431هـ، رسم رسام الكاريكاتير المبدع هاجد منزل المواطن وقد بني من مجموعة من الطوب كل واحدة منها تمثل (سلف) أي استدانة، عدا طوبة واحدة في وسط الجدار تمثل قرض صندوق التنمية العقارية، (لا توجد بلكة واحدة من حر مال المواطن) وهذا واقع!!.
في ذات العدد رسام الكاريكاتير الماضي رسم العريس وهو يبكي وأحد أقاربه ينهره، معتقدا أنه يبكي لأنه تزوج ويقول له «ياخوي تراك فشلتنا!! اضحك شوي تراك منتب أول من تزوج!!» فيشير العريس إلى يده المقيدة بكرة حديدية ضخمة هي الديون!!.
توارد الأفكار هذا لم يأت من فراغ ولم يكن صدفة وإذا رصدت ما كتب منذ ذلك اليوم إلى اليوم، وقبل ذلك اليوم بعشرين سنة أو تزيد، ستجد أن ثمة خللا كبيرا في العلاقة بين دخل المواطن وإنفاقه أدى إلى عجز كبير في ميزانية المواطن القادر على الاستدانة أو من يحظى ببقية ثقة في راتب جارٍ أو كفيل ضامن تجعل البنوك تقبل به كصيد ثمين لمنح قرض شبه مضاعف.
وعلى الجانب الآخر، هناك عدد غير قليل من الفقراء غير المضمونين لا براتب جار ولا كفيل غارم، وهؤلاء ليست لديهم مشكلة مع الديون؛ لأنهم لا يقدرون حتى على الاستدانة!!.
أنا لا أدعي الفهم في الاقتصاد، بل أقرب إلى الاعتراف بالجهل به، لكنني أفهم في قراءة النتائج وأرى الواقع، وما نراه يدل على أن الكثيرين لا يتناسب دخلهم مع التزاماتهم الضرورية وليس فقط مجاراة حالة الإنفاق لدى من يعينهم وضعهم المادي على التعايش مع غلاء المعيشة ولديهم القدرة على إنفاق مبالغ فيه يدعو إلى ارتفاع الأسعار التي أصبحت تقاس بالقادر وليس بالعاجز، وتحسب على أساس تحقيق الربح الفاحش وليس مكسبا معقولا فوق سعر التكلفة.
إذا كان الخبراء الاقتصاديون يتوقعون اختفاء منطقة الدخل المتوسط وذوبانها في طبقة الفقر أو امتزاجها مع القاع، فإن الأخطر من ذلك هو تكون قشرة هشة آيلة للانهيار هي منطقة أو طبقة المقترضين أو المدينين، وهذا ما يمثله واقع نسبة كبيرة من الناس، ويشكل خطورة بالغة يجب أن نتعامل معها بسرعة فائقة وبالتزامن مع خططنا لمعالجة الفقر بل وبطريقة أسرع، وذلك بتحقيق موازنة بين الدخل والإنفاق بالعمل على زيادة الدخل المتمثل في الرواتب والبدلات والأجور مع خفض الأسعار وإخضاعها لرقابة صارمة والاعتماد على الإقراض الحكومي الميسر.

خادمة بجوال وزارة بإهمال

لدينا تناقضات غريبة، وأغلبها تنم عن ازدواجية، فوزارة العمل تركز حاليا على حقوق العاملات المنزليات، وهذا جيد، لكن الجهات الحقوقية التي تهدف وزارة العمل لإرضائها تحرص على حق الإنسان عامة، سواء أكان عاملا أم رب عمل، وهي لا يمكن أن ترضى بأن يدفع إنسان مبلغا كبيرا من المال لاستقدام عاملة ثم ترفض العمل أو تهرب ولا يعوض عن ماله أو تتسبب في إيذاء أطفاله أو تضر بممتلكاته، أو تسهل سرقة منزله أو تؤوي غريبا إلى بيته وتمارس معه الرذيلة ثم تكون مكافأتها أن تأكل وتشرب في دار المتسولين ثم تسفر على حسابه!!.
من حق العاملة المنزلية أن تحصل على أجرها غير منقوص، إلا إذا قصرت في العمل أو رفضته يوما أو ساعة، ومن حقها أن تحترم كإنسان ولا تضرب أو تهان أو يتحرش بها، ولكن من حق رب العمل أن يحترم هو وزوجته وأبناؤه كبشر؛ فلا يضرب أحدهم أو يهان أو يعرضون لخطر الاعتداء بفتح منزلهم لغريب أو فضح أسرار منزلهم أو أسرتهم، وهنا بيت القصيد، فليس من حق العاملة المنزلية أن تمتلك هاتفا محمولا وليس من حقها أن ترد على هاتف المنزل أو تستخدمه دون إذن، لكن ذلك لم يدون في شروط عقد الاستقدام، مثلما حرصت وزارة العمل على تدوين شروط مبالغ فيها لمصلحة العاملة.
جوال العاملات المنزليات أثبت أنه إحدى أخطر وسائل تسهيل الجريمة؛ سواء تلك المتعلقة بعلاقات مشبوهة مع غرباء تبدأ بعلاقة جنسية مع العاملة وتنتهي باعتداء على المنزل بسرقته أو سرقة أعراض ساكنيه أو جرائم السرقة التي تستخدم فيها العاملة كوسيلة تجسس.
وهذا الجوال إذا كان بكاميرا فإنه سبيل للاعتداء على خصوصية الأسرة وتصوير بناتها في أوضاع النوم أو أي وضع آخر وتسريبها للآخرين، أو تصوير الأطفال أو الزوج أو الزوجة، المهم أنه وسيلة تصوير لما هو داخل المنزل واعتداء على حق ساكنيه.
من تناقضاتنا أننا نمنع (جوال الكاميرا) في الزواجات ونصادره من المدعوات وهن صديقات أو قريبات وهذا جيد، لكننا نسمح لعاملة غريبة أن تخترق خصوصيتنا في كل الأوضاع والأوقات بجهاز لاسلكي غير خاضع للمراقبة ويحمل كاميرا!!.
أنا أطالب أن تشتمل اتفاقيات الاستقدام على منع حصول العاملة المنزلية على (جوال) وبدلا منه يضمن حقها في مكالمة أهلها متى شاءت من الهاتف الثابت ببطاقة مدفوعة مسبقا، ولكل من يعترض على خصوصية المجتمع السعودي أو يحتج بحقوق الإنسان أقول إن لكل مجتمع خصوصيته بما في ذلك مجتمعات أمريكا والدول الأوروبية بدليل ما يحدث للحجاب في فرنسا، كما أننا وأثناء الدراسة والسكن مع عائلات بريطانية أو أمريكية لم يكن لنا الحق في فتح الثلاجة ولا استخدام الهاتف ولا إدخال صديق مع أنها من الدول السباقة لتطبيق الحقوق ولكن دون عرج!!.

يا مشايخنا لا تختلفوا فتذهب ريحكم

العلماء ممن يقتضي علمهم وعملهم التعامل مع كافة أفراد المجتمع، ويتطلب تخصصهم توافر رابط ثقة قوي ودائم بين علمهم وعامة الناس يدرك كل عاقل منهم أنه حين يقوم بتخطئة الآخر أمام عامة الناس؛ فإن رابط الثقة بين المتلقي وبين كل أهل العلم يتزعزع، ولذلك فإن الكليات التي تخرج هؤلاء تركز في مناهجها التعليمية على ضرورة أن لا يخطئ أحدهم الآخر أمام عامة الناس وأن اختلافهم وتحاورهم حول موضع خلاف في تفاصيل ذلك العلم يجب أن يتم بينهم، وبعيدا عن العامة ممن يجهلون تلك التفاصيل ولا يزيدهم سماع التحاور إلا فقدان الثقة في أصحاب تلك المهنة.
خذ على سبيل المثال طلبة الطب فإنهم يتعلمون أن الطبيب يجب أن لا يخطئ زميله أمام المرضى أو أمام عامة الناس لأنه بذلك يفقدهم الثقة في مهنة الطب وفي جميع الأطباء وفقدان الثقة في التداوي مدعاة لاستمرار السقم، والأطباء يتقيدون وبشدة بهذه القاعدة والتي توصف بروح النقابة.
وروح النقابة لا تقتصر على الأطباء، بل تجدها لدى أساتذة الجامعات والمحامين والصيادلة والمهندسين وكل من يدرك بما أوتي من عقل وحكمة أن تحاور العلماء يجب أن يتم بينهم وفي أروقة دور علمهم وليس في وسائل الإعلام التي يطلع عليها غير المتخصص.
فما بال بعض أو أحد مشايخنا الأفاضل يختار وسائل الإعلام صحفا وقنوات فضائية لإبداء معارضته وحججه بالرغم من أنه يتناول العلم الشرعي، أقدس العلوم وأهمها وأكثرها عمقا وحساسية ومدعاة للتحاور الرزين وإيراد الأدلة وتمحيص الحجج والاستماع للطرف الآخر؟!.
إذا كان علماء الهندسة والطب والقانون آثروا الحفاظ على شخصية علومهم على ظهورهم الشخصي، واختاروا التحاور في غرف الحوار لا إبراز أنفسهم في وسائل الإعلام، فإن علماء الشرع أولى بهذا الإيثار وأحرى بالبعد عن شهوات النفس وحب الظهور.
إذا كان من مراجعهم نظريات في كتب العلم القديم القابل للتجديد والجديد الذي سيقدم، ودليلهم أبحاث بشرية قد يثبت خلافها، يتحاورون بعيدا عن أعين العامة حرصا على كسب ثقتهم، فإنه من باب أولى أن يلتزم بهذا النهج من مرجعهم قرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ودليلهم سنة مطهرة.
ما يحدث من امتطاء صهوة الإعلام للإعلان عن الذات باعتراض على فتوى، لا يخدم العلم الشرعي وإن خدم العالم، فمناقشة العلم العميق تحتاج إلى عمق في الشخص ومناسبة المكان واختيار الزمان، وأبواق قنوات الفضاء لا تحقق غير الإثارة ولا تلبي غير شهوة نفس مستثارة.
صفحات الصحف لم تتسع لخلاف حول (جيم) جدة فكيف يتصور عاقل أنها ستحسم خلافا شرعيا على أمور مستجدة؟!، ما بال بعض مشايخنا يريد أن ينقل تحاور علماء الشرع من مجلس فتوى جذوره ممتدة إلى إعلام فضاء لا تعرف هزله من جده؟!.

وقفات أسبوع

•• حلقة برنامج 99 في القناة السعودية الأولى التي كانت بعنوان (مرسول الجريمة)، كانت حلقة استثنائية تناولت مشكلة توصيل طلبات المنازل واستخدامها وسيلة للتجسس على البيت وسكانه وعاملاته المنزليات، ودور بعض من يوصلون الطلبات في ارتكاب الجرائم أو تسهيلها، هذه الحلقة كشفت جوانب كثيرة غاية في الخطورة يجب التوقف عندها من جميع الأطراف ذات العلاقة لإيجاد حلول جذرية لا تنتهي عند كتابة محاضر اجتماعات أو تعاميم تفسرها كل جهة كيف شاءت وترمي بها على الجهة الأخرى، كما أن شكوى الزميل محمد الرشيدي، المحرر في جريدة الرياض، يجب التوقف عندها كثيرا فقد ذكر -باختصار شديد- أمورا تحتاج إلى وقفة غير مختصرة.
•• حالة التدليك أو (المساج) الذي صاحبه ممارسة شذوذ جنسي؛ أحد أطرافه مصاب بالإيدز وكتب عنه عدد من الزملاء الكتاب، هذه حالة أو حادثة اشتهرت وانتشرت نتيجة (مصادفة) أن عامل المساج الشاذ اكتشف أنه مصاب بهذا المرض ونقله إلى غيره، لكن عملية التدليك أو (المساج) بتلك الصورة -هي أصلا- نشاط تجاري غير مرخص لا في الفنادق ولا خارجها، باستثناء (العلاج الطبيعي المتخصص) الذي له مراكزه المختصة؛ أي أننا لسنا أمام إساءة استخدام نشاط مرخص في ممارسة رذيلة، بل ممارسة نشاط ممنوع والإمعان في المخالفة بارتكاب جريمة اللواط ومن قبل شخص يعلم أنه مصاب بداء خطير ومعدٍ (هذا ما يسمى في القانون جريمة مركبة) بل هذه هي أم الجرائم، فيا ترى ما هي العقوبة؟!.
•• طالبات يحتجزن مديرة مدرسة بنات، ودوريات الأمن تستعين بعدد من السجانات لإنقاذ المديرة المحتجزة!! لم يمض سوى بضعة أيام على تحذير كتبته في هذه الزاوية بعنوان (مدارس بلا أمن.. شجار قبل الطلعة) حذرت فيه من غياب أمن مدارس الجنسين وخطورة ذلك على الطلاب والطالبات والمعلمين والمعلمات، خصوصا بعد ازدياد حالات الشجار والاعتداءات في المدارس، يا إخوان تنبهوا لخطورة وجود مئات الأشخاص المتنافرين داخل سور واحد، فلا بد من نظام يحكم خلافاتهم وأناس يفرضون النظام وإلا سادت الفوضى، وأشغلنا السجانات عن عملهن الذي يحتاجهن كل ثانية.

السعودة بـ «سوبرماركت» تدعمها الدولة

استعجال الفشل أمر يتعارض مع الإصرار والطموح والبحث عن النجاح، والتسليم بالفشل أخطر من الفشل نفسه، لأنه قد يوحي بقصد استهداف النجاح، أما تكرار المحاولات الواحدة تلو الأخرى بتلافي أسباب الفشل فهو الدلالة على توفر قصد النجاح.
سعودة المحلات التجارية الصغيرة أو (البقالات) المنتشرة داخل الأحياء وفي الشوارع الصغيرة والكبيرة، تجربة حاولناها جاهدين وجادين، لكنها استعصت علينا، ولا نقول فشلت (أعاذنا الله من الفشل)، والصعوبات التي واجهتنا كانت تكمن في الفرد السعودي الذي حاولنا مساعدته بإحلاله مكان الأجنبي، فهذا الفرد استعصى عليه القيام بنفس جهد ومثابرة الأجنبي إما لعدم معرفته بأساليب البيع والشراء واستعجاله الربح وخوفه من المجازفة أو لعدم تفرغه لفتح الدكان بنفس الساعات التي يستطيعها أجنبي ليس لديه ارتباطات عائلية، أو لعدم تحمله للتعامل مع تجار الجملة الذين يفضلون استسلام الأجنبي ويخشون منعة المواطن أو لأن المواطن بدأ مالكا للبقالة ومديرا لها ثم أجبرته الأسباب المذكورة آنفا إلى توظيف الأجنبي كعامل مساعد، وما لبث العامل أن أغراه بدخل شهري ثابت مقابل اسمه الجميل ودون أن يتواجد رسمه الأجمل إلا عند الحاجة أو تواجد الرقيب وحينها لكل حضور ثمنه.
أذكر عند بدء تطبيق السعودة في البقالات وفرض تواجد السعودي أنني كنت أستمتع بشراء حاجيات الفطور من أكثر من (بقالة) وأدخل أنا والصغار من أبنائي لكي يروا البائع السعودي ونتحدث معه (من يدري فقد يصبح أحدهم أذكى من والده ويمارس الربح والتجارة بدلا من الصحافة والخسارة!!)، وكنت أسأل الباعة عن أحوالهم، وكان أكثرهم يشتكون من مراقبي البلدية!! (يبدو أن الأجنبي يشره المراقبين) لذا كنت دوما أطالب برفع رواتب المراقبين حماية لنا ودرءا لفسادهم.
ما هي إلا أشهر معدودة واستعصى استمرار السعودة (لا أحب كلمة فشل) لذا فإنني أنقل والرأي لكم اقتراحا ساقه لي خبير فطن متخصص محترف في المحاسبة هو صديقي حمد بن محمد الحبيش مدير الشؤون المالية بشركة الغاز والتصنيع الأهلية وملخصه أن تدعم الدولة مجموعات من الشباب يشتركون في إنشاء (سوبر ماركت) في كل حي أو شارع ويتمثل الدعم في شكل قروض حسنة وتسهيلات تأسيس هذه المشاريع الصغيرة مقابل ضمان توظيف شباب سعودي (فقط) وتواجد ملاك المنشأة فعليا بالاسم والرسم في إدارة المتجر وأن يتولى السعوديون فقط جميع تعاملات (سوبرماركت) الحي هذه، بدءا بالإدارة ومرورا بالمحاسبة والعمالة وانتهاء بإيصال الطلبات إلى المنازل، وفي رأي الأستاذ حمد الحبيش صاحب الاقتراح فإن غياب الأجنبي تماما يحقق أمرين هامين هما السعودة 100 في المائة وعدم حصول التمويه بتواجد أجنبي متستر عليه، أنا أعجبتني الفكرة وأرى أنها تستحق الدعم مهما بلغت التضحية والمرونة والتنازلات، فما رأيكم؟ وما رأي صاحب الصلاحية.

المباحث كشفت المستور

جهود وإنجازات رجال المباحث قديمة بقدم الوطن، ولكن ما تغير هو إدراك الناس لدور هذا الجهاز الفذ العظيم، بعد أن تحققت حماية الوطن والمواطن والمقيم بجهوده والأجهزة الأمنية الأخرى، خاصة فيما استجد من محاولات متوالية كنا نحن الأكثر تميزا في اجتثاثها مقارنة بدول العالم حتى أصبحنا مثالا يحتذى في دحر الإرهاب.
ويجب ألا ننسى الخطوة الرائدة لرئاسة الاستخبارات العامة عندما تبنت أول مؤتمر من نوعه في مجال تقنية المعلومات والأمن الوطني، ودعت له الجميع من الداخل والخارج لتؤكد أن هذا الجهاز منفتح على المجتمع، ليس فقط للتعريف بأدوار الجهاز أو تحقيق تقارب مع أفراد المجتمع ولكن عن طريق عقد مؤتمر عالمي تعليمي وتثقيفي وعلى درجة عالية من المهنية التي لم تصل إليها جهات أكاديمية هذه مهمتها.
المؤتمر عقد في الفترة 21 ــ 24 ذو القعدة 1428هـ الموافق 1ــ 4 ديسمبر 2007م، ولو رجعت لتلك الفترة ستجد أن كما هائلا من الحديث كتب وقيل عن رئاسة الاستخبارات العامة خلال مدة محددة لا تزيد عن أسبوعين، ثم توقفنا، مع أن عمل هذا الجهاز وإنجازاته وانفتاحه على المجتمع لم يتوقف بل هو في ازدياد.
لقد تابعت ودققت فوجدت أنه مر أكثر من سنتين على ذلك الحدث المهم، حدث مؤتمر تقنية المعلومات والأمن الوطني توقفت خلالها جميع وسائل الإعلام عن الحديث عن رئاسة الاستخبارات العامة أو حتى عن متابعة توصيات ذلك المؤتمر.
حسنا، عمل رئاسة الاستخبارات العامة ورجالها الأفذاذ لم يتوقف بل لا أظن أن حجم العمل والجهد بلغ مبلغا أكبر منه في هذا العام والعام الماضي قياسا بالأحداث وتسارعها وتعدد أساليب قوى الشر ومحاولاتهم، وغني عن القول إن النجاح كان أكبر من كل الأحداث، بدليل فشل كل محاولات المساس بأمن هذا الوطن.
هذا يقودنا إلى نتيجة مهمة جدا، وهي أن الإنجازات الحقيقية للأجهزة الحكومية يجب ألا تقاس بما يكتب ويقال في وسائل الإعلام، بل أكاد أجزم أن أكثر الأجهزة العامة ظهورا في الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع هي أقلها إنجازا على أرض الواقع، كما أن من نافلة القول إن وسائل الإعلام تشجع على شيوع هذا السلوك في الأجهزة العامة والخاصة فهي تسلط الأضواء على من يبحث عن الأضواء بصرف النظر عن الاستحقاق، وتخفق في متابعة إنجازات من لا يتحدثون عن أنفسهم، والدليل رئاسة الاستخبارات العامة فقد أشرعت أبواب الانفتاح على الإعلام والمجتمع ثم انشغلت بعملها المضني، فأنشغل عنها الإعلام وهجر أبوابها المشرعة.

عرفه المسلمون بالحق وعرف غيرهم أن الحق دينه

بالنسبة لمن يعتنقون دين الإسلام ويؤمنون به إيمانا قاطعا لا شك فيه، فإن أمر معرفتهم بأنه الحق لا يحتاج إلى استدلال بمن اتبع الحق، لذا فإنهم يؤمنون بأن الرجال يعرفون بالحق ولا يعرف الحق بالرجال، فهو معروف أصلا لديهم، والرجل عبد الله بن عبد العزيز عرف لدى كل المسلمين بالحق واتباع هدي الدين الحق فأصبح بالنسبة لكل المسلمين مطلبا لتحقيق العدالة والمصالحة والسلام وملاذا بعد الله عندما ندر الملاذ الأمن والمأمون، فهم يدركون جيدا أن من اتبع الحق والتزم به لا بد وأن تضمن عنده الحقوق، والرئيس الأفغاني حامد كرزاي لم يكن أول من يقطع المسافات طلبا لهذا الملاذ، وإن كان هو الحديث فقد سبقه عرب ومسلمون كثر، والمؤكد أنه لن يكون الأخير، فالحق ثابت ومعروف، ولكن من يعرفون به ويلتزمون بهداه ندر وجودهم، وعبد الله بن عبد العزيز أثبت بمواقفه ومواقف بلاده أنه أبرز من في ساحة الحق، وأن بلده الأمين ليس قبلة للمسلمين في صلاتهم الموقوتة وحسب بل وجهة لطالب الحق في كل وقت.
بالنسبة لغير المسلمين فإن استطلاع يجريه مركز أبحاث بيو الأمريكي تخرج نتائجه بأغلبية ساحقة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز؛ ليحصل على المرتبة الأولى بين القادة الأكثر شعبية وتأييدا في العالم الإسلامي، وعندما تختاره الغالبية العظمى ممن شملهم الاستطلاع كأكثر قائد إسلامي يحظى بثقة في قدرته على اتخاذ القرارات والخطوات الصحيحة بشأن القضايا العالمية، فإن هذا يعني بالنسبة لشعوب العالم أجمع أن هذا القائد المسلم خادم الحرمين الشريفين إنما يتصف بمبادئ وأخلاق وهدي دين عظيم هو الإسلام، دين المحبة والإخاء والعدل والسلام، الدين الصالح لكل زمان ومكان وأمل البشرية في العدل الحقيقي والسلام الدائم.
وبذلك فإن حصول خادم الحرمين الشريفين على هذه المكانة الأولى في قلوب المجتمع الدولي أجمع، وللمرة الثانية إنما توجه رسالة لشعوب العالم بأن من دينه الإسلام ومن التزم بتعاليمه الحقة ومبادئه العظيمة وطبقها في تعاملاته بكل صدق وإخلاص، هو من تملك قلوب الأمة وتربع على عرش القلوب.
هذا هو عبد الله بن عبد العزيز عرفه المسلمون بالحق وعرف غير المسلمين أن دينه الحق.

سارق وكفالته في جيبه

مشكلتنا أننا نشرع في تبني إجراء يطبق في الدول المتقدمة، وننسى أو نهمل تماما جانب ضرورة توفر نفس الأرضيات والظروف والمتطلبات الأساسية للتطبيق.
الطموح والرغبة في تقليد من سبقونا أمر جميل، بل رائع، لكن من المهم جدا أن نقلدهم في توفير الأرضية المناسبة والأدوات اللازمة والضرورية لتطبيق الإجراء أو النظام أو الخطوة المتقدمة.
صحيح أننا نكرر القول والمطالبة بأن نبدأ من حيث انتهى من سبقونا، لكن هذا لا يعني أن نتخطى مراحل مهمة وأساسية ونتعداها إلى ما بعدها، ونحن ندرك أن ما بعدها لا يصلح دونها.
حتى في مجال تطبيق بعض المبادئ والإجراءات الإنسانية أو الحقوقية أو السير قدما في خطوات حقوق الإنسان والحريات الشخصية، فإنه من الخطأ والمجازفة أن تبدأ في تفعيلها دون أن تؤسس لضمان عدم التحايل بها وعليها أو استغلالها، وذلك بأن توفر أولا أدوات الرقابة المكثفة، والحيطة المحكمة لمنع استغلال نوايا الخير في تسهيل طريق الشر، وحرية الفرد في الإضرار بالجماعة.
خذ على سبيل المثال لا الحصر، إجراء إخراج مجرم بالكفالة ووضعه تحت المراقبة وقيد الاستدعاء في بلد لديه كل وسائل الرقابة على ذلك المجرم وتقنياتها الحديثة، إلى درجة وضع سوار إلكتروني في قدمه يصدر بلاغا فوريا بمجرد خروجه من دائرة محددة أو عند محاولته نزع الجهاز، وهذا البلاغ أو جرس التنبيه بمجرد وصوله إلى دائرة الشرطة، فإن المجرم لا يملك الوقت الكافي لتخطي المنطقة المحددة؛ لأن أقرب شرطي سيكون قد أصبح أقرب إليه من السوار نفسه.
هذا الإجراء (التسريح بكفالة) ذو الطابع الإنساني أو الحقوقي، سمه ما شئت، لا يمكن فرضه أو تطبيقه في بلد ليس لديه هذه التقنية، أو لديه السوار الإلكتروني ولكن ليس لديه القدرة على الاستجابة السريعة، فيستمر السوار الإلكتروني في الصراخ حتى يبح صوته أو تنتهي بطاريته قبل تحرك شرطي بعيد عن الموقع، لأن النتيجة ستكون منح الحق أو الحرية لسارق مثلا وتركه طليقا دون رقابة، ليسلب الجماعة حقوقهم وأموالهم أو يصادر حريتهم وأمنهم لمجرد استعجال تطبيق الحقوق والحريات للبعض دون توفير الأدوات الكفيلة بأن لا يكون ذلك على حساب حقوق وحريات الكل، وهذا استعجال غير مبرر.
اللص هو من أكثر المجرمين ذكاء وحيلة؛ لأن جريمته لا تأتي انفعالية أو وليدة استفزاز، بل يصاحبها تخطيط بهدوء، كما انه يستمرئ تكرار جريمته ويتعايش معها ويطور أساليبه، لذا فإنني أخشى أن يكون ضمن أدوات السرقة ورقة كفالة مختومة.

(سيكل) الوزير

في الوقت الذي يرسخ فيه خادم الحرمين الشريفين ــ حفظه الله ــ روح التحاور، ويفعل الحوار ويرفع بيديه الكريمتين سقف حرية الرأي ويؤكد على المحاسبة التي لا تستثني كائنا من كان، وفي الوقت الذي يقابل فيه ولي العهد ــ أدام الله عليه الصحة ولباس العافية ــ أية مداخلة أو سؤال صحافي، بابتسامته المعهودة، وفي ذات الوقت الذي يكرر فيه النائب الثاني ــ وفقه الله ــ فرش بساط أحمدي مع وسائل الإعلام وينصت إلى درجة توجيه أذنه وذهنه للسائل ثم توجيه إجابة حكيمة وشافية تحمل رسالة ومعنى.
أقول في الوقت الذي تضرب فيه القيادة العليا المثل تلو الآخر في التعامل مع هموم المواطن والمقيم ورسالة الإعلام وتعين للإعلام وزيرا مدركا لتوجه القيادة وقبطان ماهر لسفينة الإعلام قريبا من الجميع، ما بال أحد الوزراء يشترط أسئلة محددة في مؤتمر صحافي وآخر يمتنع عن الإجابة وثالث يضيق بالإعلام وسقفه، ورابع يحول المؤتمر الصحافي إلى (سكوت شهر زاد التي تتكلم متى شاءت وتسكت متى اشتهت)!!.
من لا يشكر الناس غير حري بشكر خالقه، وأي صحافي أو كاتب أو عامل في مجال الإعلام لا يمكن أن ينسى موقف صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز في أحد المؤتمرات الصحافية منذ عدة سنوات عندما حاول وزير الهاتف آنذاك أن ينال من رجال الصحافة في حضرة سموه ليرد عليه، وعلى الفور قائلا: (هؤلاء هم عيوننا)، ومواقف الحكماء تزداد توهجا وحكمة.
ما بال بعض المسؤولين يجند الإعلام لخدمته شخصيا ويكرر الخروج في كل وسائله، فإذا صنعه الإعلام وقضى منه وطرا رماه بالويل والثبور والشكوى وعظائم الأمور؟!.
هل يريدون من قضايا مجتمعنا أن تشرح وتملح وتبهر ثم تطبخ وتقدم عبر قنوات فضائية خارجية تجارية، بالطعم الذي يشتهيه المشاهد وبالرائحة التي تريدها القناة؟!.
أيهما أفضل أن نناقش هموم ومشاكل الأسرة الواحدة داخل بيتنا وفي غرفنا وبالطريقة التي تحقق علاج الجرح دون أن تجرح الوطن، وعلاج العضو حتى ولو بالكي الذي لا يحرق كامل الجسد، أم أن نقفل أبواب الغرف على من فيها ونترك النوافذ التي يصعب غلقها، ليأتي من هب ودب ويخاطب كل فرد منا عبر تلك النافذة ويصوره كيفما شاء هو أو أرادت الوسيلة الإعلامية، لنلجأ نحن بعد ذلك لإعلامنا الحبيب للتوضيح والترقيع ورش (بخاخات) تعطير الجو.
إن من الصعب جدا بل من المستحيل أن تتقاطع مصلحة الوطن مع مصالح وأهواء الأشخاص عندما لا تتجه إلى هدف واحد محدد ونبيل، وقيادتنا الحكيمة عبدت لنا الطريق الإعلامي الواضح الذي صمم برؤية ثاقبة وحكمة بالغة، وجعلته واسعا لنصل جميعا عبر مسارات واضحة إلى المصلحة العامة، فما بال البعض يريد أن يضيق الطريق حتى لا يعبر منه إلا هو بدراجته الهوائية (السيكل).