مسجد القاعدة

يوم الجمعة الماضي التاسع عشر من رمضان ألقى إمام الجامع الواقع في السليمانية قرب دوار المطار القديم في الرياض خطبة أحسبها مثالية؛ لأنها تخاطب المصلين بلغة سهلة لا تكلف فيها، وتناقش واقعا يعنيهم وبهدوء تام، وكأن الإمام يتحدث مع كل واحد منهم على حدة. تحدث بلهجة المعتذر عن سوء حال التكييف في ذلك المسجد المكتظ بالمصلين في يوم شديد الحرارة والناس صيام، وشرح معاناته مع خطوة ضرورية تتمثل في حل وحيد بتغيير نظام التكييف في المسجد لقدمه وانتهاء عمره وقدرته. وطريقة عرضه للمعاناة لم يقصرها على معاناة مسجد، بل هي نصائح وعبر لكل من عزم على التعامل مع الشركات والوكلاء الاستغلاليين والتجار الجشعين والمقاولين الغشاشين في أي مشروع، ليس بالضرورة تركيب نظام تكييف، لكن مثال تركيب نظام تكييف في بيت من بيوت الله بأموال متبرعين متصدقين يوحي لك بخطورة جرأة الغشاشين، والغياب التام للرادع حتى وإن كان الأمر يتعلق بمسجد تجمع له التبرعات ويفترض أن يسهم التاجر له بتخفيض ربح وإحسان عمل.
معاناة إمام المسجد ــ التي مازالت مستمرة ــ يصعب اختزالها في زاوية من صحيفة، فقد وصف تباين العروض من 100 ــ 350 ألف ريال، وتباين النوعيات واختلاف الضمان وتباين الاستشارات الهندسية، ووصف روح الجشع الشديد ومحاولات الكسب غير المشروع في مشروع تكييف مسجد وإراحة مصلين وخدمة بيت من بيوت الله!، فكيف بالمشاريع الأخرى، وكيف بما يتعرض له المواطن عندما يبني منزل العمر بـ«تحويشة» عمر؟
خرجت من تلك الخطبة بانطباعات أخرى لم يكن الخطيب يقصدها، منها أن وزارة الشؤون الإسلامية تؤكد كل يوم ما كتبته عن تقصيرها نحو المساجد من حيث الصرف عليها واقتصارها على تولي فرش المسجد، لذلك أسميتها في مقال سابق قريب «وزارة فرش»، فما الذي يمنعها من تولي تركيب نظام تكييف في جامع يقع في موقع مكتظ «بالمناسبة هو قرب قاعدة الرياض الجوية ويعرف بها ويشهد جموعا غفيرة لانفراده في الحي»، ومن الانطباعات أن إمام المسجد لا يقتصر دوره على الصلاة والخطبة كما يعتقد البعض، فهذا الإمام تحول إلى معقب ومندوب شراء ومقيم عروض ومحاور للمهندسين وباحث عن حلول تقنية وحاث على التبرع المشروع ومفاوض للشركات، ثم يأتي من خرج من تحت لحافه للتو بعد نوم طويل وقبل أن يزيل إفرازات النوم، ويتجرأ على أئمة المساجد بحرف أو تصريح.

رأيان على “مسجد القاعدة

اترك رداً على بنت العساف إلغاء الرد