اليوم: 12 يناير، 2010

«المطففين»

لا أؤيد مطلقا من تهون عليه سرقة السارق إذا تصدق، فقديما قيل: لا تزني ولا تصدقي، وإن كنت أرى أن من يسرق ولا يحمل حسا إنسانيا هو أكثر سوءا من السيئ وهو من يسرق ويفزع للآخرين .
الأعجب من هذا وذاك هم أولئك الذين يبيحون لأنفسهم الحصول على كل المميزات الوظيفية بل أعلى قدر من استغلال الوظيفة سواء من الترقيات أو البدلات أو التعويضات أو الرواتب الإضافية ومن الانتدابات أطولها وأعلاها تعويضا، وفي الوقت نفسه يحرمون موظفيهم من أبسط حقوقهم وبدلاتهم وتعويضاتهم وترقياتهم والمميزات التي يحصل عليها غيرهم، وذلك بحجة التوفير أو التقتير أو الحفاظ على المال العام.
لو أن مسؤولا أو مديرا أو وزيرا دلل نفسه وموظفيه، ولو بتجاوز بعض الأنظمة لقلنا إن العيب في الأنظمة التي لا تتواكب مع روح العصر القائمة على التنافس والإغراء بالبقاء وتشجيع الموظفين، وإنه ليس من العدل أن يحرم المسؤول نفسه من مميزات يعطيها لغيره، مع أن الجهات الرقابية إذا قررت المحاسبة فقد لا تقبل المبررات وتستند على الأنظمة لكنها ستجد المسؤول جديرا بالاحترام، وقد يصبح أسلوبه نهجا مستقبليا مدعوما بمظلة نظامية.
ولو أن مسؤولا قتر على نفسه وموظفيه ومارس تشددا على الجميع في منح الإغراءات والمميزات التشجيعية، وتقيد بالإجراءات والتفسيرات المتشائمة للأنظمة التي لا تواكب روح العصر فقد يهبط أداء المؤسسة وتفقد كثيرا من المميزين فيها إلى أن تنتهي بالفشل الذي لا يسأل عنه المدير رقابيا، أو لا تقام عليه الحجة، لأنها عيوب غموض الأنظمة أو عدم مواكبتها للمستجدات.
للأسف فإن النوع الأول هو الشائع (مسؤول يأخذ كل شيء ويحرم غيره من أي شيء، ومديرون يستوفون مميزاتهم كاملة ويحرمون موظفيهم من أبسط الحقوق)، وهذا ما أشاع الإحباط بين كثير من صغار الموظفين، وهم صغار في مركزهم الوظيفي وما يحصلون عليه من مميزات، لكنهم كبار في أدوارهم وأهميتهم، وإحباط هذه الغالبية من الموظفين ينذر بخطر كبير يهدد مستقبل المؤسسات الحكومية والوزارات الخدمية لأنهم هم الوقود الحقيقي للإنجازات.
لا أجد شبيها لسلوك مسؤول يأخذ من المميزات أعلاها ويقتر على موظفيه إلا السلوك الذي وصف به القرآن الكريم المطففين (إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون).