الشهر: جانفي 2010

وقفات أسبوع

هي وقفات متأنية ومركزة ومباشرة نقفها كل خميس مع ما أثير من قضايا خلال الأسبوع المنصرم.
ـــ إذا أردت من الناس أن يصدقوك في حال المرض فلا تكذب عليهم في حال الصحة!!، وإذا أردت أن يثقوا بك في شأن الوقاية فلا بد من أن تمنحهم أدوات الثقة في شأن العلاج، فالصدق هو اللقاح الحقيقي لمتلازمة أزمة الثقة.
ـــ جميل أن يقاضي مواطن قناة إعلامية أو صحيفة، وجميل أن تقاضي صحيفة كاتبا أو مجموعة إعلاميين أو حتى مواطن عادي، وأجمل من هذا وذاك أن تبرز لدينا ثقافة المقاضاة إعلاميا ويتم تداول أخبارها ومراحلها واستئنافاتها، لكن الحلو لا يكمل حتى تشمل الشفافية الإعلامية كثيرا من القضايا التي ينظرها ديوان المظالم، خاصة تلك التي تتعلق بشكوى مواطن على إدارة حكومية أو مؤسسة أو وزارة فعندئذ ستكون صورة بعض الوزراء أكثر وضوحا.
ـــ مياه سيول جدة جرفت الأحياء السكنية حينما لم تجد المجاري والشعاب، وفيضان القضايا الرياضية والاجتماعية والصحية والاقتصادية يتحول إلى قنوات الإعلام الخليجي واللبناني إذا لم تستوعبه قنواتنا الإعلامية.
ـــ تعاملنا مع المغتربين العاملين على أرض هذا الوطن الطاهر يجب أن تكون منطلقاته أن كل منهم يمكن أن يكون فرمان علي خان حتى يثبت عكس ذلك، أما من يجرم منهم ويخالف أنظمتنا فيجب أن ننظر إليه منفردا ونتعامل معه مثل أي مواطن أجرم.
ـــ رجال يضربون زوجاتهم، وزوجات يستعن بالأقارب لضرب الأزواج، هذا معناه أننا لا نعطي الأخصائي الاجتماعي الفرصة لأداء دوره الحقيقي ولا التشجيع المادي والمعنوي للعب هذا الدور، أما المعنى الأقوى فهو أن الجهات المعنية بشأن العنف الأسري مجرد بهرجة إعلامية.

الغش أكـبر من الرقعـة

من المؤسف أن تشغلنا الإدارة العامة لمكافحة الغش التجاري بالتركيز على الغش في العطور والعلامات التجارية الترفيهية عن ما هو أهم من صور الغش التي تمس الحياة وقد تسبب الموت.
طالما أننا نعاني من محدودية إمكانية مكافحة جميع صور الغش التجاري فإن الغش في العطور والكماليات ليس أولوية تذكر، فالزوج يستطيع تحمل رائحة عطر مغشوش تضعه زوجته ولن تعيقه عدم جودة العطر فقديما قالوا «لاخير في حب يمحوه البصل» فكيف بمجرد عطر مغشوش ؟! لأن الإعاقة الحقيقية تأتي من الغش في عناصر تؤثر مباشرة على صحة الإنسان أو تعرض حياته للخطر كالأجهزة الكهربية والوصلات والآلات.
ثمة غش في الأدوية والأغذية من قبل شركات كبرى وهذا الموضوع أوكل لهيئة الغذاء والدواء وسوف نأتي على ذكر أبعاده مفصلة في مقال مستقل.
وتقريبا أصبح الغش يمارس في كل منتج ومن شركات كبرى مشهورة بينما نحن نضع ثقة عمياء وصماء وفاقدة لحس الشم واللمس والتذوق في الشركات الكبرى دون الاحتكام إلى تحليل الجودة والفحص الدقيق.
مكافحة الغش التجاري تركز على قطع السيارات والإطارات المقلدة بينما الغش يحدث حتى في القطع الأصلية، فنظرية ( عالأصل دور) لم تعد مقبولة ويجب استبدالها بحقيقة (عالفحص دور).
كشف عطل متكرر في نظام تكييف لمشروع ضخم أن الشركة المشهورة التي ركبت النظام استخدمت مولدات ضغط (كومبروسورات) قديمة أعيد إصلاحها محليا فتعطب بعد سنة واحدة هي فترة ضمان (الكومبروسور).
وسبق أن قلت إن مكافحة الغش التجاري إذا كانت ستتحول إلى إدارة لحماية العلامات التجارية فيفترض أن تدفع الشركات المنتجة ووكلاؤها رواتب وتكاليف هذه الإدارة ونبحث نحن عن من يحمينا من البضائع المغشوشة وعديمة الجودة بدءا من السيارة ومرورا بالأجهزة الخطرة والأواني المسرطنة والملابس المحسسة ومواد البناء والأدوات الصحية والأدوات الكهربائية وملحقاتها.
يقول أحد المتخصصين في التمديدات الكهربائية المنزلية متحدثا عن رداءة كثير من الأشرطة اللاصقة الموجودة في أسواقنا يقول: (تنزل من السلم وتجد أن «الشطرطون» نزل قبلك) وهذا خطير جدا وسبب من أسباب التماس الكهربي الذي أصبحنا نعزو له جل الحرائق..
تصور أنهم يغشون حتى في جبائر العظام وكراسي المعاقين وأشرطة تحليل السكر وأجهزة قياس الضغط، ومكافحة الغش التجاري لا يرفع ضغطها إلا عطر مغشوش أو شنطة نسائية مقلدة !!.

إعلام الجوال .. المنع والبديل

واجهت بعض الاعتراضات عندما كتبت في صفر الماضي عن إعلام جديد هو إعلام الجوالات لا يقل أهمية عن الإعلام المتعارف عليه حاليا كتصنيف للإعلام مثل الإعلام المرئي والإعلام المسموع والإعلام المقروء (ورقي أو حاسوبي)، وكنت قد ذكرت في ذلك المقال تحت عنوان «إعلام الرسائل النصية» أن رسائل الجوال أوجدت وبسرعة لها مكانا ومكانة مهمين، فهي مؤثرة ومقبولة وسريعة وخفيفة ظل، في الغالب، لأنها تتخذ طابعا طريفا، وظريفا مضحكا أحياناً ومبكيا أحيانا أخرى، وإعلام الجوال كغيره من وسائل الإعلام استخدم للدعاية والتهنئة وللتعزية ولإيصال الرأي وللضغط على صاحب القرار في كل أنحاء العالم، خاصة في العالم الثالث.
المعارضون لما كتبت انحصر اعتراضهم على أنني أعطيت الجوال أكثر مما يستحق، كون استخدامه كوسيلة إعلام لم ولن يرقى إلى حد مقارنته بوسائل الإعلام التقليدية المعروفة.
لا أريد أن أكون متعصبا لرأيي، لكنني أظن أن الجوال تفوق كثيرا على بقية وسائل الإعلام في نقل الأحداث التي صاحبت مظاهرات المعارضة في إيران، بعد أن منعت الحكومة الصحافيين والمصورين ووسائل الإعلام الأخرى من النزول إلى الشارع وتصوير الأحداث، فكانت صور ورسائل الجوال هي الوسيلة الوحيدة لنقل الصورة والخبر خلال ثوان من الحدث، ورضخت كبريات القنوات الفضائية العالمية وتنازلت عن متطلبات نقاء الصورة وأصبحت تبث مقاطع فيديو صورتها الجوالات وصور فوتوغرافية تم إرسالها عبر خدمة الوسائط بالجوال إلى الصحف ووسائل الإعلام، وهي تجسد صور القتلى وضحايا العنف.
تحول كل الشعب الإيراني إلى مراسلين صحافيين وبدلا مما كان معهودا، وهو أن يصور شخص واحد عشرات المصابين، أصبح آلاف الأشخاص يصورون مصابا واحدا!!، وكل منهم يرسل الصورة أو مقطع الفيديو للعالم أجمع.
لا أعتقد أنه كان يدور بخلد من أدخل تقنية التصوير إلى الهاتف الجوال أن هذه التقنية سوف تستخدم يوما ما كوسيلة إعلام وحيدة ومتميزة، كما أنه لم يكن بالتأكيد يهدف إلى استخدامها كوسيلة ابتزاز أو فضح أو اعتداء على الخصوصية، لكن الإنسان بما أوتي من حيلة هو من يسخر الأدوات لتلبية احتياجاته لكي يعيش ويتمرد على الحرمان ويتطفل على الغير ويعتدي عليهم، وما يحدد الاستخدام هو تسخير الذكاء لاستغلال الوسائل سواء في الخير أو الشر.
المؤكد أن أكثر ما يستحث الإنسان على البحث عن البدائل هو المنع.

استراتيجية (التعميم)

قياسا بالنضج الإداري الذي حققناه ونحققه في هذا الوطن، واستنادا إلى أننا نتجه بقوة و إخلاص نحو مرحلة إصلاح شامل وجاد ومدروس، فإن من الأولويات الهامة لخوض هذه التجربة أن نتخلص من كل ما يستند إلى الاجتهادات الفردية المبنية على ردة فعل الفرد الواحد إزاء موقف واحد.
وما نسميه عرفا إداريا بـ (التعميم) ما هو إلا صورة من صور ردة الفعل الفردية إزاء موقف أو قضية أو حادثة لا تحتمل الرأي الواحد لمدير أو وكيل وزارة أو حتى وزير ولا يمكن لبلد يسعى للتطور أن يستمر في معالجة كل صورة من صور الإخفاق أو القصور بإصدار تعميم عن كل حالة منفردة.
هذا لا يعني أننا يجب أن لا نتفاعل مع قضايانا بما تستحق، ولكن لا يجوز أن يكون جل تفاعلنا في شكل (تعميم) إداري لا يعدو كونه ورقة تصور وتوزع ويرجع إليها من شاء متى شاء !! إن أراد أخرجها من مخبئها وإن أراد أدخلها في بيات شتوي وصيفي وفي الربيع والخريف.
ما نحن في أمس الحاجة إليه هو ترجمة علاجنا لمجموع الأخطاء والسلبيات ومواقع القصور التي نسجلها يوميا، إلى لغة نظم وإجراءات وقوانين تعدها هيئة من المختصين المحايدين الجادين ولا تحفظ في الأدراج بل تعلن وتدرس ويحفظها عن ظهر قلب كل مسؤول وموظف ومستفيد وكل من سيكون له علاقة بالأمر.
نفس الشيء ينطبق على الاستراتيجيات والخطط المستقبلية فمن غير المعقول أن نسمي ما يرسمه شخص واحد في يوم واحد أو حتى شهر واحد استراتيجية وطنية أو خطة وطنية إلى درجة أن نصل مرحلة يدعي فيها وزير أنه جاء باستراتيجية جديدة في غضون أيام..
طموحاتنا الوطنية وأهدافنا التي تتناسب مع طموحات قادتنا وبعد نظرهم أكبر من أن تختزل في استراتيجية مستعجلة، ورغبتنا الجادة في علاج مشكلاتنا الإدارية أكبر من أن تكتب في ورقة (تعميم) كما أن من غير المقبول أن نطلق مسمى خطة أو استراتيجية على مجموعة تعاميم.

نحن الأكثر وعياً بشهادة رفيق

في موقف تلو الآخر نثبت أننا حكومة وشعبا أكثر وعيا وإنسانية ورزانة من دول وشعوب تدعي أنها أكثر منا تقدما ووعيا واهتماما بالنواحي الإنسانية.
خذ على سبيل المثال لا الحصر موقفنا من جنسيات أساءت لنا أو خالفت أنظمتنا أو ارتكبت بحق مجتمعنا جرائم تلو الأخرى وستجد أننا لم نتخذ موقفا معاديا لجنسية بجريرة بعض من ينتمون إليها ولم تغير الدولة تعاملها مع أبناء جلدة بعينها لأن واحدا منهم أو أكثر ارتكب جرما أو مخالفة، ذلك لأننا نؤمن بأنه (ولا تزر وازرة وِزر أخرى) وأننا لا نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده والأمثلة على ذلك كثيرة يصعب حصرها في مساحة محدودة.
في المقابل غيرت بعض الدول التي تدعي التقدم تعاملها مع أبنائنا في ما يخص التأشيرات والدخول والحقوق الشخصية الإنسانية بناء على سلوك 15 فردا تضررنا من أفكارهم المنحرفة نحن قبل غيرنا، وهي أفكار نحن منها براء لكن ردة فعل تلك الدول انعكست آثارها علينا بما أضر بطلبتنا ومرضانا ورجال أعمالنا وحتى السائح منا.
هنا يتجسد الفارق الكبير في الوعي الحقيقي بيننا وبينهم على مستوى الدولة والشعب.
في الوقت ذاته كنا ولا زلنا نقيد أنفسنا بإحسان الفرد فنجعله يندرج على الجماعة وهو شعور يتجسد، في أحد أمثلته دون حصر، في التقدير البالغ والامتنان الكبير لكل باكستاني لأن البطل فرمان علي خان استشهد وهو ينقذ أكثر من 14 غريقا اقتطع من أنفاسه الزكية ما ضمن به استمرارهم في تنفس الهواء بدلا من الماء وتوقف قلبه وهو يصارع من أجل إبقاء قلوبهم تخفق.
أجزم أن كثيرين مثلي بل أن وطني كله أصبح يرى شهامة فرمان في كل باكستاني بل في كل عامل مغترب.
موقف واحد جعلنا نعيد النظر في كل مغترب يعمل على أرضنا وكل من ينتمي إلى جنسه وجلدته وقارته، بل لعلي استدرك فلا أقول جعلنا، إذ أننا كنا نطلق مسمى (رفيق) على كل منهم منذ قدومهم لأول وهلة، ولم نغير المسمى ولا الدلالة ولا المعاملة مع فئة من عمالة آسيوية أخرى شاعت عنهم المخالفات والجرائم ولا زلنا نستقدمهم ونعاملهم على أساس من الوعي بأن سلوك النفس البشرية لا تحاسب به كل النفوس المشابهة في الجغرافيا أو الدين أو اللون.
تلك الدول التي تدعي التقدم والوعي تسمي المحسن باسمه والمسيء باسم بلده، يؤاخذوننا بما فعل السفهاء منا ويتجاهلون مواقف عقلائنا، ونحن حكومة وإعلاما وشعبا نمتن للكل بإحسان الفرد ونستاء من المسيء دون المساس بجماعته، وهنا يكمن الوعي الحقيقي والعقلانية الحقة.