كذبة الدراسات

لا خير فينا إذا لم نسخر كل فرص النشر المتاحة في تصحيح المفاهيم الخاطئة أيا كانت طالما أننا لاحظنا وجودها وتوفرت لدينا الخلفية الكافية للتنبيه إليها.
ألا تلاحظون معي تزايد وتكرار عبارات (أثبتت الدراسات) أو (أثبت العلماء) أو (وجدت الأبحاث) في مجتمعنا تحديدا وعند التحدث عن أي موضوع وفي كل مناسبة أو في كل محاولة لتبرير حالة قصور أو عجز أو تخاذل؟!.
هل يفاجئكم إذا قلت إن معظم هذه العبارات هي من نسج خيال قائلها، وليس لها أصل مطلقا وبعضها له أصل ضعيف جدا لا يصل إلى حد الدراسة العلمية بل لا يحقق الحد الأدنى من متطلبات البحث أو الدراسة أو حتى استقصاء الآراء؟!.
كل من أراد أن تكون كذبته مقنعة قال (أثبتت الأبحاث العلمية الموثقة)، وكل من أراد فرض رأيه على السواد الأعظم من الناس قال (وجد العلماء).
ما يحدث ليس أمرا جديدا ولا سلوكا طارئا بدليل أن المثل الشعبي الشهير القديم يقول (إذا كذبت فسند)؛ أي إذا أرت لكذبتك أن تكون أكثر إيقاعا فعليك أن تنسبها إلى مصدر أو سند.
كل ما استجد هو كثرة حدوث هذا الإسناد العشوائي، وشيوع استخدام كذبة (وجدت الدراسات) على مستويات أعلى من مجرد شائعة مجتمع أو كذبة مروج شائعات يبحث لكذبته عن سند موثوق!.
أما الدليل على عدم صحة غالبية الاستشهاد بالدراسات والأبحاث الوهمية، فهو عدم إيراد المرجع وتسميته للرجوع إليه، فليس أسهل من أن يقول (أثبتت الدراسات العلمية التي أجراها العلماء المتخصصون) لكنه لا يحدد أين نشرت ومتى ومن هم هؤلاء العلماء، وهذا التحديد هو من أساسيات الإسناد الصحيح.
إن من مواصفات المجتمع المتحضر الواعي أن يطالب دائما بالدليل الواضح ومرجع المعلومة وسندها المفصل وهذا ما نطمح أن يكون عليه مجتمعنا، وإنني أظنه كذلك فدرجة الوعي العالية تتضح من ردة فعل السواد الأعظم من الناس سواء في تعليقاتهم ومداخلاتهم ومشاركاتهم في البرامج التلفزيونية والحوارات والمنتديات، فالناس أصبحوا على درجة من الوعي والفطنة التي لا تقبل الاستغفال ومع ذلك يصر البعض على استخدام عبارات (دراسات) واستراتيجيات، ومنظومة متكاملة، وعمل مؤسسي رغم عدم وجود السند ولا الأصل ولا المؤسسة.

اترك رد