اليوم: 9 يونيو، 2010

الكذب على الوطن

حتى قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بسنوات فإنك عندما توشك على دخول الولايات المتحدة الأمريكية تواجه بسؤال من ضابط الجوازات يقول «هل تنتمي إلى منظمة إرهابية»؟، والسؤال يأتي ضمن مجموعة أسئلة لكنه يبدو في الوهلة الأولى سؤالا ساذجا، فالإرهابي لا يمكن أن يخبرك بأنه إرهابي أو ينتمي إلى منظمة إرهابية، ولا يمكن أن يجيب على هذا السؤال بنعم إلا شخص يحب المزح (عيار) وبالمناسبة ونحن ندخل فصل السفر يتوجب علينا توعية المسافرين إلى أمريكا وأوروبا بترك «العيارة» وعدم المزح في الإجابات مهما سخف السؤال فقد تؤدي بك هذه المزحة إلى غياهب السجن ولا يمكنك التراجع عنها.
السؤال الذي يبدو ساذجا يهدف إلى ما هو أهم وهو أخذ إفادة إذا ثبت في أي لحظة أنها كاذبة فإن الكذب في هذه الدول يستوجب محاكمة قد تنتهي بالسجن ومن المؤكد أنها تنتهي بالاستقالة، والسؤال وسيلة لتبرير وتسهيل اعتقال مستقبلي إذا ثبت الكذب حتى لو لم تثبت الجريمة.
الدول المتقدمة حضاريا وحقوقيا وتقنيا أخذوا من دين الإسلام كثيرا من الأخلاقيات ومنها نبذ الكذب والكاذب واعتباره شخصا لا ثقة فيه وليس جديرا بالمسؤولية تماما كما يعتبره ديننا من المنافقين غير المأمونين.
في تلك الدول تعتبر الاستقالة هي أول خطوة حقيقية صادقة تتلو اكتشاف أصغر كذبة، وليس ضروريا أن تكون الكذبة على رئيس العمل أو جهة العمل أو في شأن يتعلق بالوظيفة، بل حتى من يثبت أنه كذب على زوجته أو أحد أصدقائه أو أبنائه يعتبر مجردا من الثقة لأنهم يعتبرونه ممن إذا حدث كذب وإذا أؤتمن خان وإذا وعد أخلف.
كم أتمنى أن نطبق مفهوم توثيق الإفادات والتصاريح والوعود والأحاديث واختلاق الأعذار بشكل رسمي، فإذا ثبت أنها غير صحيحة أو مغالطة أو كاذبة يتم محاسبة ومعاقبة الكاذب وسحب الثقة منه لأن الكذب في مجتمعنا لا يزال عملا مشينا لا عقوبة له ولا تداعيات رغم خطورته واستخدامه توطئة لممارسات خطيرة جدا وغطاء لممارسة فساد كبير وخداع للمجتمع وتمويه عليه وإيهام للناس وللوطن.
لا أريد أن أكون قاسيا وأطلب تطبيق عقوبة الكذب على الوطن بأثر رجعي، أريد أن نشرع لنظام دقيق يمكن من تقرير واقعة الكذب والتمكين من رصدها وإثباتها والتعامل مع الكذب وظيفيا أو اجتماعيا أو وطنيا بما يردع تفشي الوعود والأعذار والأوهام الكاذبة.