اليوم: جوان 19, 2010

نهاية محامٍ

أن يتجاهل المحامي النواحي الإنسانية في ترافعاته ويدافع عمن لا يستحق الدفاع، فهذا أمر مقبول مهنيا ومقبول اجتماعيا على مضض، أما أن يتجاهل المحامي الأسس الأكاديمية والشمولية المطلوبة في إلقاء ورقة علمية في مؤتمر أو ندوة، فمعنى ذلك أن المحامي لا يفرق بين حديث المجالس و(القهاوي) والاستراحات وبين إلقاء محاضرة علمية، ففي الحالتين هو يتحدث بسطحية وتحيز لوجهة نظره الخاصة.
هذا ما يمكن أن تستشفه من محاضرة أحد المحامين بعنوان الأخطاء الطبية من الناحية القانونية والطبية، والذي أبدى امتعاضه من قرار وزارة الصحة إغلاق غرفة العمليات في أحد المستشفيات التي تسببت في قتل الدكتور طارق الجهني بحجة أن غرفة العمليات هي شريان دخل المستشفى وإغلاقها يكلف ثلاثة ملايين ريال يوميا، كما اعتبر (لافظ فوه بخطأ طبي) أن كتابة الإعلام عن الأخطاء الطبية فيه إسفاف وتسبب في العزوف عن الاستثمار في إنشاء المستشفيات، وفي هذا رغم مغالطته للحقيقة (المستشفيات الخاصة في المدن في أدوارها ومبانيها وأعدادها تنافس الفنادق)، أقول فيه تركيز على الجانب المادي وتضخيم له وتجاهل للجانب الإنساني وتصغير له، وهذه ــ وربي ــ ليست أخلاق رجال القانون. لو أن المحامي فرق بين المحاضرة الأكاديمية الرزينة الشاملة العلمية المحايدة وبين حديث المجالس، أو حتى المرافعات المنحازة لمن يدفع أكثر، لكان تحدث عن مصير مئات المرضى الذين ينتظرون دورهم لدخول غرفة العمليات التي أغلقت، وما الذي سيتم حيال عملياتهم الجراحية الضرورية؟! وهل رتب لهم إجراؤها في مستشفيات أخرى على حساب صاحب غرفة العمليات التي أغلقت منعا لإهدار مزيد من الأرواح؟!، أم أنهم تركوا ضحية للإغلاق وهو أمر لا ذنب لهم فيه؟!.
لو كان المحامي محايدا ــ علميا وأكاديميا ــ لتطرق إلى ضرورة تقويم وإعادة تقويم واعتماد المستشفيات الخاصة والعامة قبل خراب بصره، وضرورة إطلاع الناس على المستشفيات غير المعتمدة كما يحدث في دول العالم، لا أن يطالب بعدم إغلاق غرفة عمليات ارتكبت فيها أبشع المخالفات من عدم تأهيل طبيبة التخدير وعدم ترخيصها وعدم صلاحية غرفة العمليات ثم القتل.إن ثمة فرقا كبيرا، يا سعادة المحامي المحاضر، بين أن تتحدث في منتدى الطب والقانون، حيث يستمع إليك كل من طلبة الطب والقانون والأخلاقيات والعلاقات الإنسانية وإدارة المستشفيات والتمريض والأشعة والمختبرات، وجميعهم ينتظرون منك في النهاية أن تشاركهم علما نافعا ومعلومة محايدة، وبين أن تترافع دفاعا عن تاجر يتاجر في صحة الناس، وتنتظر منه في النهاية أن يملأ هاتف العملة بما يعادل وزن كلام لم يوزن!!.