الشهر: جانفي 2010

كرسي بحث «الضعوف»

لتسمح لي الجامعات أن أستعير موضة كراسي البحث لأقدم مقترحا للموسرين الراغبين في التأكد من وصول صدقاتهم إلى المستحقات والمستحقين الذين لم ترتق بعد شروط وبيروقراطية وزارة الشؤون الاجتماعية لتقتنع بأنهم من مستحقي الضمان الاجتماعي.
أتمنى أن تجدوا المقترح أجدى نفعا وأضمن نتائج وأسرع إنجازا وأثمن مردودا من كراسي بحث الجامعات وإن كان ثمة تشابه في الأسلوب.
تريد أن تتصدق، وتريد أن تضمن وصول صدقتك إلى أسرة مستحقة محتاجة إلى حد الجوع لكنها في نظر ملف وزارة الشؤون الاجتماعية لا يستحقون الضمان الاجتماعي بسبب نقص ورقة يفترض أن تأتي من رب الأسرة، ورب الأسرة مدمن علق زوجته أو طلقها وهام على وجهه أو بسبب غياب أية ورقة أخرى لا يمكن أن تحصل عليها الزوجة لأنها امرأة ومجتمعها مشغول في الحديث عن حقها في قيادة السيارة، في وقت تحرمها أنظمة الشؤون الاجتماعية من حقها في قيادة أسرتها إلى بر الضمان.
كل ما عليك هو أن تتفق مع عدد من الأخصائيات الاجتماعيات ممن يعملن في إحدى الجمعيات الخيرية (لست في حاجة للتعامل مع الجمعية نفسها، طالما أنك تريد أن تكون أكثر اطمئنانا بوصول صدقتك للمحتاج فقط وبطريقة مباشرة يدا بيد).
الأخصائيات الاجتماعيات يعرفن الأسر المحتاجة فعليا، وخاصة الأسرة التي لا يشملها الضمان لعيب في أنظمته أو متطلباته، أو الأسر التي تستلم أقل بكثير مما تستحق للسبب نفسه، والأخصائيات سوف يجهزن لك ملفات متكاملة تصف لك حال المحتاجين وواقعهم اليومي المر بما قد يبكيك.
بتلك الدمعة أنت الآن قمت بتدشين كرسي البحث الخاص بك، دون تصوير وفلاشات فأنت تحت نظر عالم السر وما يخفى واحتفالك بهذا التدشين يتطلب ألا تعلم شمالك عن ما وقعت يمينك.
كبيرة الأخصائيات الاجتماعيات هي أمين كرسي البحث، وبقية الأخصائيات هن الباحثات لكرسي البحث، لا يوجد باحث رئيسي فكل أخصائية هي باحث رئيسي عن مستحق تعيس.
في يوم واحد، واحد فقط ستتم دعوتك، لترى بنفسك ممثلة أو ممثلا عن كل أسرة محتاجة (أؤكد لك أن تلك الممثلة وذلك الممثل هم أصدق وأشرف وأنبل ممثل قابلته في حياتك وإن كانوا الأقل شهرة لأنهم لا يسألون الناس إلحافا)، وستقوم في ذلك اليوم بإنجاز كامل مشروع كرسي البحث وسترى أثره المباشر على المستهدفين وسوف تسلم صدقتك يدا بيد وتسلم أمين الكرسي والباحثات مكافآتهم المستحقة، هذا اليوم سنعتبره يوم الاجتماع بأمانة كرسي البحث والباحثين والبدء في البحث والانتهاء منه في يوم واحد، ألم أقل لك أنه الكرسي الأسرع إنجازا.
الأجمل في شأن كرسي بحث «الضعوف» هذا أن نتائجه تعلن عندما تكون في أمس الحاجة لها، عندما تكون أنت أحد «الضعوف» في اختبار من وسع كرسيه السموات والأرض.

مدارس بلا أمن.. شجار قبل الطلعة

كل يوم يمضي على بقاء أحد أشكال القصور لدينا دون علاج يعلن عن اقتراب حصول كارثة، كل ما عليك هو أن تخصم يوما واحدا من الأيام القليلة المتبقية على انفجار القنبلة الموقوتة سواء صغرت أم كانت كبيرة ومدمرة.
قلنا بالصوت الرفيع، ومنذ عدة سنوات، إن علينا أن نهتم بالأولويات، الأهم ثم المهم ثم الأقل أهمية وهو مهم.
وقلنا بالصوت الذي يرفعه حب هذا الوطن وأهله والمقيمين فيه أن ثمة أمورا كثيرة يجب أن نبدأها من حيث انتهى الآخرون، لأنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بعد أن وجدوا أنه الحل الناجع بل الحل الوحيد، فلماذا ننتظر إلى أن تحدث لدينا ذات الحوادث والمشاكل التي عانوا منها؟.
الأمثلة كثيرة ومتعددة، منها القديم والحديث ومنها الكارثي والخطر والأقل خطورة، وجميعها تنم عن أننا نتأخر في حل مشاكلنا.
أحدث الأمثلة شيوعا وتكراراً هذه الأيام هي ظاهرة الشجار في المدارس بين الطلاب، وأحيانا بين المدرسين وأولياء الأمور، وتارة بين مدرس ومجموعة طلاب، فقد طالبنا بالصوت الرفيع منذ سنوات بضرورة إدخال نظام أمن صارم في المدارس، ينفذه رجال أشداء قادرون على فرض النظام وتحقيق الانضباط ومدير مدرسة حازم، وناظر مدرسة متفرغ لمراقبة سلوك الطلاب ومدعوم بدور فاعل لعدد كاف من الأخصائيين الاجتماعيين لاحتواء الخلافات قبل حدوثها ولحل المشاكل قبل تفاقمها، ومدعم بأنظمة صارمة تطبق، دون شفاعة أو توسط أو تمييز، على كل من يخل بأمن المدرسة أو يتنمر على زملائه ومعلميه ويحولها إلى حلبة صراع وهو أسلوب كل الدول التي سبقتنا، ولم نبتدعه من بنات أفكارنا ككتاب رأي، بل من البديهي جداً أن أية مؤسسة تضم عددا كبيرا من المراهقين لابد وأن تشهد أحداث إساءة وعنف ومشاجرات، خاصة في هذا الزمن الذي شهد بوادر لعدم الانضباط وغياب هيبة المدرسة (كان للحرم المدرسي هيبة تجعلنا نتواعد للشجار بعد الطلعة).
لكن التجاوب لم يحدث وزادت أخبار الاعتداءات والمضاربات في مدارس الجنسين وحدث ما حدث من ضرب طالب لمدرس وضرب أم طالبة لطالبة أخرى وشجار بين أم ومعلمة ثم شجار بين أبوين بسبب ضرب طالب لآخر، أما أغربها فهو ما حدث من شجار جماعي في محافظة وادي الدواسر (حسب ما نشرته جريدة شمس الخميس الماضي) وأدى إلى امتناع 90 من الآباء عن إرسال أبنائهم إلى المدارس خوفا عليهم.
الأشد غرابة أن تستمر مدارس الجنسين في بلادنا خالية من العدد الكافي من الأخصائيين والأخصائيات الاجتماعيين والنفسيين وأفراد الأمن مع أنها متطلبات أساسية وفرص وظيفية لفئات متوافرة في سوق العمل بل عاطلة عن العمل.

مسؤول مباشر .. إجابة ملتوية!

أحيانا أشعر أن ثمة فراغا كبيرا وفاصلا عريضا بين ثقافة مجتمعنا بصفة عامة وسلوك بعض المسؤولين، وكأن المجتمع يتطور ويتقدم وتزداد عنده درجة الوعي، بينما يبقى البعض يراوح مكانه ولا يواكب تلك المتغيرات.
خذ على سبيل المثال ثقافة الحوار، أي حوار، سواء في لقاءات الحوار الوطني أو في حوارات مجلس الشورى أو في الحوارات التلفزيونية أو اللقاءات المفتوحة، وستجد أن كل من يشارك في هذه الحوارات من المواطنين على اختلاف درجة تعليمهم (بل حتى الأمي منهم) ومراتبهم الوظيفية (بل حتى العاطل منهم)، وأعمارهم (بل حتى المراهق منهم)، جميعهم تأقلموا مع لغة الحوار التي تعتمد على الدخول مباشرة في صلب الموضوع والإجابة المختصرة المباشرة على السؤال واختصار المداخلة في أقل من خمس دقائق، إلا الشخص المسؤول مسؤولية مباشرة عن القضية المطروحة؛ سواء أكان وزيرا أم وكيلا لوزارة أم مديرا عاما، فهؤلاء جميعا هم من يتعمدون عدم الدخول المباشر في صلب الموضوع، وهم من يلتون ويعجنون ويخرجون عن مضمون السؤال بإجابة بعيدة كل البعد عن الجواب المباشر، وهم من يطيلون الحديث بحشو كلام أقرب ما يكون لإضاعة الوقت فتأتي الإجابة (إذا صحت تسميتها إجابة) طويلة جدا وغير شافية وغالبا غير صحيحة.
راجع كثيرا من البرامج الحوارية التلفزيونية أو الصحافية في الصحف والمجلات أو المؤتمرات الصحافية وستجد، دون عناء وتدقيق، أن المسؤول المباشر عندما يجيب على أي سؤال مباشر وواضح لا يكون مباشرا، ولا بد أن يذكر أولا ما أنجز، أو يعتقد أنه أنجز، وما حققته وزارته من مشاريع منذ توليه الوزارة (يسردها سردا) رغم عدم علاقة ذلك بالسؤال، ثم تنتهي الإجابة (مجازا) أو المداخلة دون أن يخرج المشاهد أو السائل بجواب!!.
أنا ذكرت منذ البداية أن المشكلة تكمن في أن الوعي الاجتماعي العام تطور، إلا لدى بعض المسؤولين الذين لم يواكبوا النقلة النوعية أو الوثبة التي تحققت في هذا العهد الميمون فيما يخص الشفافية وسيادة الحوار، وهذا يؤكد أنني على ثقة من تطور وعي المجتمع في هذا الصدد ولا أعاني من عقدة المقارنة بمجتمعات سبقتنا في تطور لغة الحوار، لكن هذا لا يمنع من طرح السؤال المهم؛ وهو لماذا لا تعاني تلك المجتمعات، في الغرب وأمريكا، من غياب الإجابة المباشرة للمسؤول؟! بل هل يجرؤ مسؤول على الإجابة بغير الرد المباشر على السؤال؟! ولو حدث أن أحد وزرائهم وجه له سؤال عن حادثة أو قضية وأجاب بالتحدث عن إنجازات أو موضوع غير ذي علاقة، فكيف ستكون النظرة له بل مصيره؟!.

أسوار وأسرار

والسور هنا كل بناء يحتوي بين جنباته على فرد أو جماعة من بني البشر، يعيشون معظم الوقت في معزل عن أعين الناس، ولا يمكنهم إيصال صوتهم مباشرة إلى أحد بمحض إرادتهم وكيف أرادوا وفي الوقت الذي يريدون.
كل من حكمت عليه الظروف أن لا يخرج من مأواه يدخل ضمن من أقصدهم، وخذ منهم على سبيل المثال لا الحصر نزلاء دور رعاية القصر أو الأحداث ونزلاء دور الرعاية الاجتماعية من العجزة والمقعدين، ونزلاء مصحات الأمراض النفسية ومراكز العزل، والأطفال في دور الرعاية الخاصة بالأيتام والمجهولين، هؤلاء جميعا لا تسمح ظروفهم أن يمارسوا ما يمارسه من هم خارج الأسوار من إيصال شكواهم في الوقت المناسب وبالطريقة السهلة المباشرة، وللشخص المناسب الذي يفضلون وصول الشكوى إليه، فهم لا يملكون الكثير من الخيارات في إيصال الشكوى، خاصة تلك التي تتعلق بالإساءة من المشرفين عليهم والمسؤولين عن خدمتهم.
من الوارد جدا وكثير الحدوث في كل أنحاء العالم أن يساء إلى هذه الفئات، أو يتم استغلالهم أو قهرهم من قبل من يشرفون عليهم أو من بعضهم البعض، لكنهم لا يملكون ذات الحرية في إيصال أصواتهم مثلما يفعل من يعود إلى أهله كل ظهيرة.
هؤلاء في الغالب خصمهم هو الحكم، أو أن الحكم شخص مقتنع بالخصم، أو مستفيد منه، المهم أن من يعلم بحالهم بعد الله هو من أوكلت له أحوالهم!.
صحيح أن المراكز التي يقبعون داخل أسوارها تتبع إداريا للوزارة ذات العلاقة، وصحيح أن ثمة زيارات لتقصي أحوالهم، لكنها من حيث عدد المرات، ومدة الزيارة، وطبيعة اللقاء وأجوائه لا تتناسب مع خطورة الممارسات المحتملة، والتي يحتاج كشفها إلى مكاشفة، والتصريح بها إلى مصارحة، والبوح بها إلى حوار مباح.
اعتقد أننا في أمس الحاجة لتكثيف الرقابة على تلك الأسوار، وأن علينا أن نفتح قنوات متعددة لوصول شكوى من يقيمون داخلها بالاستقصاء المباشر، والسؤال في جو يتمتع بالخصوصية والأمان، وتكرار الزيارات ومراقبة العاملين، وتوزيع استبيانات تتوفر لإجاباتها السرية وضمان الوصول إلى جهة محايدة، والتواصل عبر البريد الإلكتروني ورسائل الجوال وكل وسائل الاتصال الشخصية، علنا نلم ببعض ما يحدث.
أما الزيارات المعلنة المجدولة المنشورة، مثل إفطار وزير في رمضان مع الأيتام، فهي لمسة اجتماعية ذات تأثير وبعد إنساني، لكنها لا تحقق الأمان بدليل أن يتيما ضرب بعد إفطار الوزير!.
أتمنى أن تكثف الرقابة والمتابعة زياراتها لأسرى الأسوار، حتى لا يكون لسان حال الواحد منهم يردد رائعة أسير الشوق:
تخيرت ابتعد والصمت والوحده عناويني… وإذا ودك تزوريني تعالي بس في الأحلام…

وقفات أسبوع

* قناة العربية ممثلة بمكاتبها ومراسليها في هذا الوطن الغالي تمارس احترافية عالية في بث تقارير مصورة قصيرة ومؤثرة عن بعض جوانب القصور كان آخرها تقرير عن أم عبد الكريم المواطنة العجوز التي ترعى ابنها (30 سنة) وابنتها (28 سنة) المعوقين إعاقة ذهنية شديدة وإعاقة جسدية تتمثل في تيبس عضلي وشلل ووهن مخيف، أم عبد الكريم تعيش في منزلها المتواضع الآيل للسقوط وتتحمل عبئا شديدا ومؤثرا.
وقبل أسابيع بثت قناة العربية تقريرا مؤلما عن الطفل المدهوس حسام (4 سنوات) الذي قضى بسبب الإهمال وغياب الضمير.
مثل هذه التقارير تستحق أن تجمع وتعرض وتدرسها لجان خاصة.
* إذا أردنا أن نحل مشكلاتنا الاجتماعية المتعددة بطريقة ناجحة وعلمية، فإن علينا أن نكون أكثر جدية في تفعيل دور الأخصائية الاجتماعية في مجتمعنا وتحديدا فيما يخص الجرائم والانحرافات والاعتداءات والعنف الأسري، فمعظم هذه الظواهر التي زاد حدوثها منبعها خلل أسري بسيط يمكن تلافيه لو ضاعفنا أعداد الأخصائيات والأخصائيين الاجتماعيين وحسنا أوضاعهم الوظيفية وفرص عملهم الميداني ورواتبهم وبدلاتهم.
* جهود رجال الجمارك ورجال مكافحة المخدرات البواسل وإخلاصهم في أداء واجباتهم أثمرت عن حماية الوطن من دخول 8 ملايين حبة كبتاجون في ضربة استباقية واحدة، وتلك البطولات لم يقتصر نفعها على الوطن وحسب، بل ساعدت تركيا على اكتشاف مصانع مخدرات تستعد لإنتاج 200 مليون حبة.
تعظيم سلام لكل رجال وزارة الداخلية السعودية.
* خطوة شركة الاتصالات السعودية في مكافأة عملائها بالرسائل المجانية لم يكن مردودها على المشتركين ماديا فقط، لقد أسهمت في رواج وتبادل (النكت) والطرائف وهذه لها دور كبير في التنفيس عن الناس، وأعتقد أن مجتمعنا كان ولا زال في أمس الحاجة إلى أجواء المرح مع أن دراسة مصرية قديمة تؤكد أنه كلما زادت الضغوطات على المجتمع زادت في أفراده روح (النكتة)، فالإنسان حباه الله قدرات فردية وجماعية تتيح له التأقلم مع الظروف.

أي مكان يضيق بأميرة ؟

لا أدري إلى متى يستمر تعاملنا مع الحالات الإنسانية المؤلمة مؤلما وجارحا للفؤاد ومخجلا للوطن إلى أن يتم عرض الحالة في وسائل الإعلام، ليخرج لنا المسؤول مؤكدا أن الحالة ستجد الاهتمام اللائق، ومرددا دون خجل (هذا واجبنا!!).
لماذا لا تسترون على الوطن وتسترون أنفسكم وتجد الحالات الاهتمام اللائق قبل النشر؟!، وطالما لديكم كل هذا الذكاء لمعرفة أنه واجبكم فلماذا لا تؤدون هذا الواجب دون أن تستفزوا مشاعرنا، وتحرجوا وطنا أعطاكم كل شيء ولم تقدموا له غير الوعود؟!.
التقرير الذي بثته قناة (العربية) عن أم عبد الكريم العجوز السعودية التي ترعى ابنتها أميرة والتي تبلغ من العمر 28 سنة، وابنها طارق وعمره 30 سنة، المعوقين ذهنيا وجسديا إعاقة شديدة وترعاهما معا لأن إدارة التأهيل الخاصة بالمعوقين والتابعة لمنطقة مكة المكرمة رفضتهما بحجة عدم وجود مكان!!.
الذي لم يشاهد التقرير، ولم يشاهد أميرة وهي تتدحرج على الأرض وتأكل ما يسقط فيها وتدخل أصابع يدها الأربع في فمها وتعض أصابعها وكأني بها تعض أصابع الندم على ضمائر ماتت ولم تدفن الأجساد التي تحتويها بعد!! يجب أن يشاهده ليعرف حقيقة وزارة الشؤون الاجتماعية.
طارق تحمله أمه وقد تخشب جسده النحيل وتيبست أطرافه وتضعه على الأرض وهي مجهدة، وتجمع قواها مرة أخرى لثني ساقيه وتثبيت ظهره الذي لم يجد في تلك الوزارة من يشد به الظهر.
أي مكان يضيق بأميرة الشابة (28 سنة) وهي في هذا الوضع من الإعاقة الشديدة جسديا والإعاقة الذهنية التي تصفها أمها بقول مختصر (إذا غفلت عنها أكلت حفائظها!!).
أي مركز تأهيل هذا الذي لا يقبل شابا عمره 30 سنة تتجسد في جسده المتيبس كل صور الحاجة إلى رعاية متخصصة.
بل أي جاهل هذا الذي يفرض على أم أن تتولى رعاية رجل (30 سنة) وامرأة (28 سنة) بالقول (خليهم عندك في البيت)!! (تخليهم في البيت ليش؟!) هؤلاء منذ طفولتهم مسؤوليتكم التي تستلمون رواتبكم بناء عليها، وبعد بلوغهم أصبحوا مواطنين بالغين مكانهم الطبيعي في مؤسسات أنتم مسؤولون عنها، فإذا كنتم دون هذه المسؤولية فأنتم من يجب أن (نخليه في البيت).
منذ 28 سنة والدار لم تتسع لأميرة وطارق فماذا قدمتم غير التصريحات؟!
ألم يقل لكم خادم الحرمين الشريفين منذ سنوات أن لا عذر لكم؟! فلماذا لم توسع الدار، بل لماذا لم تعمر الدار التي تقولون إنها ستتسع لـ 1500 معوق؟!
ألم يقل لكم ملك الإنسانية إن المسؤولية من رقبتي إلى رقابكم ومنحكم أعلى ميزانيتين مرتا على هذا الوطن الكريم فلماذا بخلتم بها على أم عبد الكريم؟.

«المطففين»

لا أؤيد مطلقا من تهون عليه سرقة السارق إذا تصدق، فقديما قيل: لا تزني ولا تصدقي، وإن كنت أرى أن من يسرق ولا يحمل حسا إنسانيا هو أكثر سوءا من السيئ وهو من يسرق ويفزع للآخرين .
الأعجب من هذا وذاك هم أولئك الذين يبيحون لأنفسهم الحصول على كل المميزات الوظيفية بل أعلى قدر من استغلال الوظيفة سواء من الترقيات أو البدلات أو التعويضات أو الرواتب الإضافية ومن الانتدابات أطولها وأعلاها تعويضا، وفي الوقت نفسه يحرمون موظفيهم من أبسط حقوقهم وبدلاتهم وتعويضاتهم وترقياتهم والمميزات التي يحصل عليها غيرهم، وذلك بحجة التوفير أو التقتير أو الحفاظ على المال العام.
لو أن مسؤولا أو مديرا أو وزيرا دلل نفسه وموظفيه، ولو بتجاوز بعض الأنظمة لقلنا إن العيب في الأنظمة التي لا تتواكب مع روح العصر القائمة على التنافس والإغراء بالبقاء وتشجيع الموظفين، وإنه ليس من العدل أن يحرم المسؤول نفسه من مميزات يعطيها لغيره، مع أن الجهات الرقابية إذا قررت المحاسبة فقد لا تقبل المبررات وتستند على الأنظمة لكنها ستجد المسؤول جديرا بالاحترام، وقد يصبح أسلوبه نهجا مستقبليا مدعوما بمظلة نظامية.
ولو أن مسؤولا قتر على نفسه وموظفيه ومارس تشددا على الجميع في منح الإغراءات والمميزات التشجيعية، وتقيد بالإجراءات والتفسيرات المتشائمة للأنظمة التي لا تواكب روح العصر فقد يهبط أداء المؤسسة وتفقد كثيرا من المميزين فيها إلى أن تنتهي بالفشل الذي لا يسأل عنه المدير رقابيا، أو لا تقام عليه الحجة، لأنها عيوب غموض الأنظمة أو عدم مواكبتها للمستجدات.
للأسف فإن النوع الأول هو الشائع (مسؤول يأخذ كل شيء ويحرم غيره من أي شيء، ومديرون يستوفون مميزاتهم كاملة ويحرمون موظفيهم من أبسط الحقوق)، وهذا ما أشاع الإحباط بين كثير من صغار الموظفين، وهم صغار في مركزهم الوظيفي وما يحصلون عليه من مميزات، لكنهم كبار في أدوارهم وأهميتهم، وإحباط هذه الغالبية من الموظفين ينذر بخطر كبير يهدد مستقبل المؤسسات الحكومية والوزارات الخدمية لأنهم هم الوقود الحقيقي للإنجازات.
لا أجد شبيها لسلوك مسؤول يأخذ من المميزات أعلاها ويقتر على موظفيه إلا السلوك الذي وصف به القرآن الكريم المطففين (إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون).

غذاء ودواء .. شن وطبقة

استغرقت الهيئة السعودية للغذاء والدواء وقتا طويلا قبل أن تبدأ في ممارسة صلاحياتها في مراقبة الغذاء والدواء، مما أثار حفيظة الكثير من المهتمين والحريصين على وضع هذين العنصرين تحت الرقابة العلمية والسيطرة المحكمة.
وقد وعدت في مقال سابق بعنوان (الغش أكبر من الرقعة) أن أفرد للغش في مجال الأدوية والأغذية مقالا خاصا؛ لأن الغش في الدواء والغذاء أكبر وأخطر من أي غش.
عندما كنا طلابا في كلية الصيدلة قرأ الكثيرون منا كتابا بعنوان (الأقراص التي لا تعمل)، صدر في الولايات المتحدة الأمريكية حيث أقوى هيئة للغذاء والدواء في العالم، وفضح الكتاب عشرين شركة أدوية كبرى من مصنعي الدواء في أمريكا تمارس الغش في الدواء بصناعة أدوية لا تعمل، إما لعدم وجود المادة الفعالة أصلا أو لعدم فاعليتها.
ومع ذلك لا يزال لدى البعض منا عقدة الثقة في الشركات الكبرى، والجزم بجودة منتجاتها بحجة حرصها على سمعتها وتلك فرضية قاصرة ومجازفة بصحة المستهلك.
الغش في تصنيع الدواء أو الغذاء في العناصر الفعالة وفي المكونات وفي المواد الحافظة وفي الدعاية له وحجب خطورته وآثاره الجانبية وتفاعلاته بحر هائج من أمواج الغش ويحتاج إلى جهاز ضخم من أهل الاختصاص وإلى هيئة غذاء ودواء لا تعتمد في قراراتها المصيرية على فكر وعلم وقرار ثلاثة رجال فقط رئيس ونائبين!! لذا فإننا نأمل بأن تستقطب الهيئة القدرات والكفاءات التي تزخر بها بلادنا في المجالين الغذاء والدواء، وتشركهم في صنع القرار النافذ وليس فقط في عضوية لجان استشارية قد لا يؤخذ بما تنصح.
صعقت حين علمت أن هيئة الغذاء والدواء قبلت كل الصلاحيات الرقابية الإدارية التي تنوي وزارة الصحة التملص منها ورميها على الهيئة مثل الرقابة الإدارية على الصيدليات من حيث صرف الأدوية بوصفة أو بدون وصفة، وساعات عمل الصيدلية ومدى التزامها بالعمل 24 ساعة، وترخيص الصيدلية والكشف على مبناها … إلخ، وذلك بناء على إصرار نائب واحد رغم رفض المستشارين وأعضاء اللجان لهذا التوجه الخاطئ.
الهيئة معنية بالرقابة على عنصري الغذاء والدواء وهو شأن عظيم وحمل ثقيل؛ لأنه يشمل رحلة هذين العنصرين من مكونهما الأساسي وموادهما الأولية وحتى خروجهما من الجسم دون ضرر أو احتمال ضرر.
أما الرقابة الإدارية على من يتولى توزيعهما أو بيعهما من حيث التقيد بالأنظمة في هذا الخصوص فهو لا يخص الهيئة بل هو شأن الوزارة المختصة، التجارة للغذاء والصحة للدواء ورغبة الهيئة في الاستحواذ عليها لا يقل أنانية من رغبة الوزارة في التخلص منها فقد وافق شن طبقة!! والمتضرر في الحالتين هو المستهلك.
اندفاع هيئة الغذاء والدواء في محاولة (التكويش) على صلاحيات غيرها أخطر من تأخرها في ممارسة صلاحياتها والمحصلة واحدة وهي ضياع وقت الدور الحقيقي والمهمة الحساسة.

دعهم يتحرشون بأختي

تعجبني العبارات الإعلامية التوعوية القصيرة والمعبرة وذات الدلالة والتأثير، مثل تلك الرسالة الموجهة لهواة التحرش من الشباب والتي تصور شابا يتحرش بفتاة تقرأ القرآن في المقعد الخلفي لسيارتها، فترفع زجاج النافذة ليجد عبارة تصدمه (أترضاها لأختك). وحفظا للحقوق الفكرية، فإن هذه الرسالة الرائعة شاهدتها بين ثنايا برنامج (إضاءات) لتركي الدخيل في قناة العربية، وقد تكون تعرض بين برامج أخرى لا أتابعها.
أرجو أن لا يفهم أنني ضد مكافحة التحرش أو ما نطلق عليه تجاوزا (مغازل) أو ضد تلك الرسالة التي أعيد التأكيد أنها أعجبتني، ولكن ذلك السؤال (أترضاها لأختك) أثار شجوني وآلامي فشعرت أنه يفترض أن يسألا لكثير من (الشياب) والكهول والشباب ممن تولوا المسؤولية أو هم على رأس المسؤولية حاليا قبل أن يوجه لمراهق يتحرش بفتاة قياسا بعدد الحالات وخطورة وكارثية النتائج.
سفر معلمة مع ساعات الفجر الباكرة في سيارة نقل متهالكة مسافات طويلة لتعمل في هجرة نائية وتنتهي رحلتها اليومية بحادث يعيقها أو يقتلها وييتم أطفالها، هل ترضاه لأختك؟!
تمدد مريضة في ممرات المستشفى عشرات الأيام في انتظار سرير أو حرمانها من دخول المستشفى للسبب نفسه هل ترضاه لأختك؟!
انكسار امرأة فقيرة وخنوعها أمام موظف إداري في مكتب الضمان الاجتماعي لإثبات حاجتها (بدلا من زيارة أخصائية اجتماعية بطريقة حضارية تحفظ كرامتها) أترضاه لأختك؟!
ولادة سيدة في سيارة زوجها وهو يبحث عن مستشفى يقبلها هل تقبله لأختك؟.
الأجساد البريئة التي تركت تصارع أمواج السيول وتشاهد الموت البطيء والماء يخالط أنفاسها ويثقل رئتيها فتهوي إلى القاع أو يجرفها الماء ويقذف بها إلى حيث لا رجعة، هل ترضى مصيرها لأختك؟!
الأرملة أو المطلقة أو المعلقة التي تعيش مع عدة بنات وابن يعاني من مرض نفسي وإذا هاج ضرب أخواته أو لاحقهم بسكين تارة وبالخنق تارة أخرى ولا يجدون مصحة تؤويه أو تعالجه هل ترضى معاناتهم لأختك؟.
مقارنة بما ذكر أعتقد أن كثيرا من الشباب سيقول دعهم يتحرشون بأختي طالما أنا واثق أنها سترفع زجاج النافذة وتواصل قراءة القرآن وتمضي في طريقها كون مصيرها في يدها، وتفرغ لحل من مصائرهم في رقبة موظف يرضى لهم مالا يرضاه لأخته.
ترى كم من الأسئلة نوجهها دون حساب للأولويات، واعتبار للأهم قبل المهم؟!.

لقاح صدق يا وزير الصحة

من اعتقد أن رفض أكثر من 85 في المائة من الأهالي تطعيم أطفالهم بلقاح انفلونزا الخنازير يعكس قصورا في الوعي أو تأثرا بالشائعات، يجب أن يعيد حساباته بناء على ما نشهده ونعيشه من توجه ملكي كريم يعتمد على الشفافية في تشخيص واقعنا ومحاسبة ذواتنا بإنصاف للناس واعتراف بالأخطاء.
لو فعلت وزارة الصحة تلك المراجعة بتجرد فستجد أن ثمة مبررات كثيرة لتعامل المواطن مع المرض واللقاح بقدر كبير من الحذر والخوف.
أليست وزارة الصحة هي من قال إنها ركبت كاميرات حرارية في المطارات بعد يومين من ظهور المرض في المكسيك، وهي مدة لا تكفي لتركيب (مراوح) في المطارات ناهيك عن أجهزة دقيقة معقدة تستورد من الخارج وتحتاج إلى طابور طويل للحصول عليها ثم برمجتها وتركيبها، وجاء المسافرون فلم يجدوها، ثم ركبت بعد عدة أشهر ولم تمنع دخول آلاف الحالات فأعلنت الوزارة أنها لم تعد ذات قيمة ؟!.
أليست الوزارة هي من قال إننا نطبق خطة (إبداعية) تبنتها دول الخليج ثم أصبحت حالات الوفيات لدينا أضعاف حالات الإصابة في تلك الدول؟!.
ألم تروج الوزارة لإجراءات احترازية مشددة قبل دخول المرض وبعد أن دخلت الحالة الثانية قيل إنها لشاب سعودي قادم من واشنطن وقلنا له اجلس في بيتك ولم يفعل وسافر في طائرة للشرقية ونحن نبحث عن كل ركابها، حتى تندر كثير من الكتاب الصحافيين بالخطة وأسموها «خطة خليك في البيت»؟!.
أليست الوزارة هي من كان يعلن عدد الإصابات وعدد الوفيات يوميا بدعوى الشفافية العالية، وعندما زاد عدد الإصابات أوقفت بياناتها وأصبحت تذكر عدد الوفيات وعندما زادت الوفيات خرجت علينا فجأة برقم عالٍ لعدد الإصابات في خانة الآلاف عله يخفض نسبة الوفيات؟!.
عندما تحدث تقرير شفاف جدا لإمارة منطقة الرياض ذكر أن ثمة خللا في تعامل مستشفيات الوزارة مع المصابين بانفلونزا الخنازير نشرته «عكاظ» في 3/10/2009م، ألم يصرح معالي الوزير بأن «الخلل ليس خللا»؟! وتناول الإعلام هذا التبرير بالاستغراب والدهشة وعدم وجود معنى مفهوم لعبارة (الخلل ليس خللا) ؟!.
أليست الوزارة هي من وزع الاستمارات في الطائرات ولم توفر من يستلمها في المطارات؟!.
وبعد أليس من المنطقي لمواطن ومقيم تابع هذا السيناريو بلهف وحيرة أن يتريث أو يتردد في اتخاذ القرار؟!.
وعي المواطن في خير ومناعته ضد الشائعات كبيرة، لكنه يحتاج منكم إلى ما يعيد ثقته فيكم بأن تتناسب الأفعال مع الأقوال، وأن تسود الحكمة في التصريحات فلا تتناقض وتصان الأمانة في العمل فلا يحيد عن هدف القائد الأعلى، ملك الإنسانية، إلى أهداف الأشخاص.
المواطن والمقيم في أمس الحاجة أولا للقاح صدق ينسيه أن الحزام الصحي ضاع ثم وجدناه، وأن الخطة الإبداعية خلفت آلاف المصابين ومن القتلى (فوق الميه).