الشهر: مارس 2010

اقعد يا نايم

أما وقد كثر الإدعاء، وكثر التحايل، وتفنن الناس في التخلي عن المسؤولية بالحجج، والهروب من الحرج بالكذب، والصعود على أكتاف الغير بسرقة انجازاتهم وادعائها لأنفسهم، وإدعاء أنهم يعملون ببهرجة في القول وتوظيف لخبراء الإعلام وأدواته، فإن الاحتكام للعقل والمنطق قبل التصديق زادت أهميته وقد كان وما زال مهماً يجدر التعامل به من البداية لكن الناس تغفل أحياناً، وتغفو إلى أن تفيقها عبارة ذات حجة قوية تحتكم إلى العقل والمنطق فتؤدي إلى إفاقة العقل من غفوته.
عندما كسر إبراهيم عليه السلام الأصنام، تعمد ترك كبيرهم لكي يقيم الحجة على قومه، (قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) هذه العبارة القصيرة القائمة على الحجة بالمنطق هي التي ذكرتهم بأمر مهم وهو أن آلهتهم لا تنطق ولا تعبر ولا تدافع، وكأني بأحدهم قال (اقعد يا نايم) أي أين كنا من هذه الحقيقة الواضحة أمامنا.
نحن اليوم وبشيء من القياس في أمس الحاجة إلى التفكير والاحتكام للحقائق والمنطق وواقع الأمر وعدم التسليم بصدق طرف دون الآخر ما لم نتأكد بتحكيم المنطق.
مثلا هل يمكن لمسؤول أن يستنجد بأعتى مؤسسات الإعلام وأكثرها إمكانيات وقدرة ويدفع من مال مؤسسته مبالغ طائلة لتظهره على أنه عمل شيئاً يذكر لو كان أنجز فعلا عملا ملموساً يراه الناس؟! ولماذا لم يدع الإنجازات تتحدث عن نفسها.
أيضاً الأصل في الكتابة والعمل الصحافي هو النقد لتعديل الإعوجاج، فإذا مدح القلم فابحث عن أحد أمرين، الأول مستحق مميز مشهود له بالتميز ونافع لوطنه وكاتب أراد أن يفيه حقه من حبر قلمه لكنه استعار مساحة من الورق هي حق لغيره وهذا شأنه وشأن المطبوعة التي يكتب فيها، والثاني غير مستحق ولا مميز ومشهود له بالقصور ولم ينتفع منه وطنه، وأراد كاتب أن يكون المنتفع الوحيد منه فباع عليه «جالون» من حبر قلمه بثمن بخس «مصالح معدودة».
أما إذا انتقد القلم وأدعى المسؤول أن من انتقده إنما يصفي حسابات شخصية فكل ما عليك هو أن تحتكم للمنطق والعقل، فإن كان ما كتب واقعاً وحقيقة موجودة على أرض الواقع فلا ترهق نفسك بتصديق إدعاء «الشخصنة» والبحث عن أسبابها وأصولها فالمهم هو الحقيقة، ولو كان ما كتب مجافياً للحقيقة ومحض إفتراء فإنه ليس أنسب لمن يصفي الحسابات بقلمه من قلم يرد عليه ويفضحه ويقيم عليه الحجة، فعندما تسنح هذه الفرصة ولا يرد المتهم ويستمر في إدعاء أن ثمة تصفية حسابات و«شخصنة» فإن ما عليك إلا الرجوع للمربع الأول فتدرك أسباب الصمت وتقول «اقعد يا نايم».

جمعية قهر المستهلك

تمخضت جمعية حماية المستهلك فولدت رسالة جوال تدعو لحضور لقاء عام مفتوح لعموم المستهلكين للرجال والنساء، والخطوة التي ولدتها الجمعية الفتية، (حملت) بها من السيد (يوم المستهلك الخليجي)، أي أنها لم تأت بدون مناسبة أو بمبادرة واهتمام ذاتي من الجمعية، إنما خجلا من مرور يوم المستهلك الخليجي دون أن تعمل الجمعية شيئا كما هي حالها منذ نشأتها!! وليتها لم تعمل أو حين حملت أجهضت حملها وصمتت!!.
هذا اللقاء المفتوح، الذي أرسلت دعواته بالجوال لكل من أهل الرياض وأهل الدمام، يجبرك على الخجل والتعجب ثم الضحك حتى الاستلقاء وسوف أبرر كل واحدة.
أما الخجل، فلأن موعد اللقاء المفتوح حدد بعد صلاة المغرب، وطبيعي أن ينتهي مع أذان العشاء يعني لقاء (بين عشوين)، وهو أقصر وقت بين صلاتين وكأنهم يقولون لا تشتكوا ولا تناقشوا كثيرا، اسمعونا وقوموا لصلاتكم يرحمكم الله.
أما التعجب، فلأن لقاء الدمام يقام في مبنى الغرفة التجارية!! وأذكر أننا حينما أسسنا هذه الجمعية (أكثر من 35 عضوا فاعلا أغلبهم كتاب صحفيون)، أسسناها على التقوى واشترطنا أن تبتعد عن التجار وتأثيرهم ودعمهم الذي غالبا يكون من مال ذئب لا يهرول عبثا!!، فكيف تعقد لقاءاتها المفتوحة في معقل التجار، في كهف الذئاب ويدعى لها الحمل الوديع المستهلك ليتعرف على حقوقه قبل الذبح في مسلخ التجار؟!!.
أما الضحك، فمن شعار اللقاء أو عنوانه (اعرف حقك كمستهلك)، وكأن مشكلتنا أن المستهلك لا يعرف حقه!!، يا حبيبنا المجتهد رئيس الجمعية أقسم لك أننا كمستهلكين نعرف حقوقنا ونعرف من يسلبها ولا ينقصنا إلا معرفة من سيرد حقوقنا إذا سلبت ومتى؟!، ومن سيحمينا من استمرار سلب الحقوق ومتى؟!.
حتى أنت أخانا الرئيس عندما كنا نجتمع دوريا لتحقيق هذا الأمل الكبير وتأسيس الجمعية، كنت تعرف حقوقك كمستهلك، وكنت تعرف أننا نعرف هذه الحقوق، وكنت تعرف أن الهدف من التأسيس هو حماية المستهلك من ضياع الحقوق المعروفة لك وله ولنا!!، فلماذا تكون باكورة إنتاجكم بعد طول عقم، وإسهامكم في يوم المستهلك الخليجي تلميحا إلى أن المستهلك يجهل حقوقه؟! بل لماذا نعرفه بحقوقه إذا كنا غير قادرين على توفير هذه الحقوق؟!.
هل نفهم أن الجمعية تثقيفية فقط أو تعريفية وحسب؟!، وهل تفهم الجمعية ورئيسها أن التعريف بالحقوق الضائعة مع عدم ردها هو محض قهر للمستهلك الذي يسمع بالحماية ولا يراها؟!.

وقفات أسبوع

• إذا ثبت أن مراقب مركز التأهيل الشامل قد جلد المعوق حامد الجهني، فإن المحامين الذين تطوعوا للدفاع عن المتهمين في كارثة جدة مطالبون بالتطوع للمطالبة بتطبيق أقصى وأغلظ عقوبة بحق الجاني، وإذا اشتملت على الجلد، وهذا متوقع، فليكن في نفس المركز وعلنيا وبحضور المجني عليه، فمشاعره لم تشل لكنها جرحت بشدة.
• قارئة كريمة أم معاذ، علقت في موقع «عكاظ» على المقال الذي كتبته بعنوان (فينا واحد يلعب .. فينا «واجد» يعاني)، حول ادعاءات منتجي العصائر بأنها طبيعية 100 في المائة وادعاءات منتجي الألبان أنها مهضمة ومنتجي زيوت القلي أن بها فيتامين ..آلخ ، أم معاذ أشارت إلى ضرر آخر وأمر خطير لم انتبه له، تقول أم معاذ إن بعض العصائر المكتوب أنها طبيعية 100 في المائة عندما يتذوقها الأطفال أنفسهم يعرفون بأنها غير طبيعية، وأن ما كتب هو من الكذب الذي ننهاهم عنه!! كما أن على المصنعين احترام عقولنا أولا ثم صحتنا. (انتهى)، وحقيقة أن اكتشاف الطفل أن الكذب رائج وما سيصاحبه من تساؤلات عن التناقض بين ما ننهاه عنه وما يتذوقه يوميا أمر خطير للغاية، ثم سبق أن كررت أن المواطن أكثر وعيا فاحترموا عقله وأم معاذ مثال.
• الشيخ صالح اللحيدان المستشار القضائي والعضو في اللجنة العالمية للصحة النفسية تحدث عن بحث طويل أجراه على مدى سنوات خرج منه بأن بعض الممثلين أو الفنانين قد يعانون من مشاكل نفسية، والشيخ اللحيدان وهو يدافع عن نتائج بحثه كان مرنا ومرحا للغاية، ويجادل بطريقة الأكاديمي الباحث ولا غيرها. في المقابل كان أغلب من اعترضوا عليه يتهكمون والمقدم وإن كان اعتذر في النهاية وهذه يشكر عليها إلا أن نبرته كان من الممكن أن تكون أكثر حيادية.
السؤال الذي يطرح نفسه، هو لو أن من أجرى الدراسة المستفيضة، متخصص آخر يحمل نفس المؤهلات في المجال النفسي لكنه ليس عالم شرع ولا مستشارا قضائيا هل ستختلف النظرة للدراسة ونبرة الحوار وطريقة تحاور الفنانين معه؟! أظن أنها سوف تختلف، علما أنهم ربما لا يجدون نفس الأريحية والإبتسامة. المفاجأة أنه في نفس اليوم نقلت لنا قناة «العربية» ضمن نشرة الأخبار تقريرا عن فنانين من أشهر ممثلي هوليود اعترفوا بأنهم مرضى نفسيون والغريب أن من بينهم أحد أشهر أبطال الكوميديا!!.

الفشل حتى تصبح جمجمة مشاري حفرية

قاتل الله الاستعجال، ولعن الله التكنولوجيا، أقولها من كل قلبي جازما إنهما السبب الرئيس في ما تتعرض له خطواتنا وبرامجنا التطويرية من فشل، وعندما تقول فشل فلابد من طرح مثل.
إذا كان طفل مثل مشاري، الذي نشرت «عكاظ» حالته أمس على صفحتها الأخيرة، عمره (ستة أعوام) يصاب بكسر في الجمجمة ونزيف خارجي نتيجة عنف من والده، لاستخراج اعتراف بأن زوج أمه وأبناءه يتحرشون به جنسيا، أقول إذا كان مثل هذا الطفل، الذي يمثل حالة إنسانية مركبة (عنف مؤكد واحتمال تحرش جنسي)، لا يجد تجاوبا سريعا من الشؤون الاجتماعية ولجنة الحماية الاجتماعية، ويخرج من المستشفى بعد (14يوما)، لم تكن كافية لتحرك الشؤون الاجتماعية ولجنة الحماية لمساعدته واحتوائه وإعادة تأهيله نفسيا بعد الكسر والنزيف، فكيف يمكن لنا الادعاء أن لدينا شؤونا اجتماعية وحماية وبرنامج مكافحة العنف الأسري؟!.
بهذه المعطيات العجيبة الغريبة أجزم، غير مبالغ ولا شامت، أن جمجمة مشاري سوف تجبر (إذا لم تكسر مرة أخرى لعدم الحماية) وتصبح جمجمة رجل بالغ ثم يتزوج مشاري وينجب، (وأخشى أن يتأثر بعدم التأهيل النفسي ويكسر جمجمة ابنه)، ويشيب مشاري وينتقل إلى رحمة ربه (يرتاح من دنيا الإنجاز بالكلام)، وتصبح جمجمته حفرية أثرية يختلف علماء الآثار في أسباب كسرها، كل ذلك ونحن لم نحقق في مجال الرعاية الاجتماعية وبرامج الحماية حلا للتحرك الروتيني (البيروقراطي) المتمثل في (ننتظر تقرير) أو (ندرس الحالة)، حالة طارئة سينجم عنها حسب العمة شجار وعداوات وحدث من نتائجها كسر جمجمة طفل وتهمة تحرش، ولا زالت تدرس بعد أسبوعين !!.
أتدرون لماذا تعاني خطواتنا وبرامجنا من الفشل ؟! لأننا نستعجل إعلانها قبل أن نؤسس لها لا المكان ولا النظم والإجراءات ولا طريقة التعامل مع المهام ولا الموظفين، يريد بعض من يقومون على هذه البرامج أن يعلنوا عنها ويتولوا أمرها ويحصلوا على (عسيلة الإعلام منها)، وهم لم يؤسسوا لها سوى بأخبار صحفية، وهذا ما قصدته بقاتل الله الاستعجال، لأننا نستعجل إعلان الإنجاز ثم نصدقه ونتوقف بعده عن العمل الجاد.
أما لماذا ألعن التكنولوجيا، فلأن كل الأجهزة العامة والخاصة التي تستخدم تكنولوجيا الرد الآلي برسالة مسجلة لا تستجيب، وبعضها يتعلق بحالات طوارئ، واسألوا عمة مشاري عن الرقم (1919)، بل اسألوها لو أن الذي يرد (سنطران)، هكذا كنا نسميه، أليس أجدى وأريح نفسيا.

الإرضاع من حقوق المرأة

لا تقل لي بأن تعيين المعلمة في مناطق تبعد عن مقر سكن أسرتها أو زوجها وأبنائها ما مقداره ثلاث ساعات بالسيارة أمر طبيعي يحدث في أوروبا وأمريكا، فهو طبيعي عندما توفر لها كل سبل المواصلات السهلة، الجماعية المريحة والمأمونة والمجدولة بجداول ثابتة محسوبة بالدقيقة كما في ذلك البلد.
معلمتنا امرأة ليس أمامها إلا الاتفاق مع سيارة نقل مهترئة، وطالما أنها سيارة فإن احتمال حدوث حادث أو عطل وارد وحصل بطرق مفجعة وموت جماعي، لكن دعونا من هذا كله، كيف تقارنها بموظفة تستطيع أن تركب القطار في الوقت الذي يناسبها (القطار يتحرك كل نصف ساعة) ومزود بالمطاعم والمشارب ودورات المياه والمقاعد المريحة ونسبة سلامة تفوق 95%؟!.
معلمتنا تركب سيارة في وقت لا خيار لها فيه، بحكم وجود غيرها وإذا أرادت أن تأكل فيجب أن تحمل زادها معها وتدرك أنها طوال مدة السفر لن تتمكن من دخول دورة مياه، لأنها في سيارة وعلى طريق لا تتوفر فيه دورات مياه عامة إلا في محطة بنزين وبدون باب! وغالبا بدون ماء والرحلة أصلا بدون توقف!.
عندما طالبت في مقال الأحد بأن ندع لغالبية النساء ترتيب أولويات احتياجاتهن، لأنهن الأعلم بالأهم، وثمة حقوق أهم من تلك التي يركب بها الرجال موجة المطالبات، اعترضت بعض التعليقات ورددت عليها في موقع «عكاظ» في حينه، وطالما أن الحديث جرنا الآن إلى التفصيل في معاناة المعلمة مع الرحلة الطويلة، وما دمنا دخلنا في عمق الفسيولوجيا وظروف المرأة الخاصة، بل إذا كانت حاملا أو مصابة بالسكر وستحتاج إلى دورة المياه عدة مرات!.
نفس الشيء يقال عن الطبيبة والصيدلانية والممرضة وموظفة الحاسب الآلي والمحاسبة والسكرتيرة والعاملة، اللاتي يعملن في مستشفى لا يمكن، في ظل أزمة السير المخيفة، الوصول إليه أو منه بالسيارة في أقل من ساعة، كيف أفرض عليهن تسع ساعات عمل وأمنحهن ساعة غداء محسوبة من إجمالي الساعات التسع، وذلك مقارنة بما يحدث في مجتمعات تتوفر فيها قطارات تحت الأرض، يمكن للموظفة وخلال دقائق أن تذهب إلى منزلها وتتناول الغداء مع زوجها وأطفالها وترضع الرضيع ثم تعود.
ولمن يعتقد أن في موضوع الرضاعة مبالغة ليعلم أن ظاهرة شفط الحليب وإرساله مع السائق لتتولى الخادمة إعطاءه للرضيع شائعة ورائجة، وللأسف فإن حليب الأم ليس طويل الأجل ويخشى عليه من الفساد، لولا تقنية ثلاجة السيارة كما أن شركات توصيل البريد السريع لم تلتفت لهذا الأمر وإلا لوجدنا (دي اتش ال) لإيصال حليب الأم.

الهائمون بين «تفحيط» مسؤول و«تنطيل» آخر

أحسنت صحيفة «عكاظ» صنعا حينما أفردت يوم الجمعة الماضي 26/2/2010م صفحتين لقضية للنقاش تحت عنوان (مجلس أعلى لمراقبة الصحة النفسية، هائمون في الطرقات) وهي القضية الأهم في مجتمعنا دون منازع، وقد أجاد الزملاء عبدالرحمن الختارش وإبراهيم القربي وعبدالعزيز الربيعي وعبدالعزيز معافى في جمع أطراف القضية وعرضها بطريقة شاملة وصور مؤثرة، وبقي أن تجد هذه القضية التجاوب السريع الذي تستحقه.
مشكلة الهائمين في الشوارع والأزقة والطرقات بدأت قديما، لكنها للأسف لم تجد الاهتمام ولم تتخذ لمعالجتها الإجراءات الواضحة والخطوات الفعالة، بل لم يكن ثمة إجراء يتكفل بهؤلاء ويتبناهم ويحل مشاكلهم ويؤويهم، ويبحث عن أصل السبب في هيامهم وضياعهم وسلوكياتهم الغريبة، أما أصل سبب عدم التحرك لمساعدتهم فيمثل أصل الكثير من مشاكلنا، وهو أننا لا نتحرك تلقائيا ووفق نظم وإجراءات معدة سلفا لمساعدة من لا يتقدم بطلب المساعدة، أي أنه ليس لدينا آلية واضحة وذات مسؤولية للتعامل مع إنسان لم يتقدم بطلب خطي لمساعدته باستثناء حالات الطوارئ التي تحتاج الإنقاذ.
سبق أن ذكرت في مقال قديم بعنوان (المجانين يا أولي الألباب)، أن مشكلة هؤلاء أنهم لا يمدحون، وإذا مدحوا فمدحهم كالقدح ولا ينتقدون وإذا فعلوا فمن سينظر لسب مجنون؟!، ونحن مجتمع يحرص فيه المسؤول وزيرا أو وكيلا أو مديرا عاما على توفير الخدمات لمن يجيدون التحدث عنها في المجالس ويكيلون المديح، وهو ما لا يجيده المريض النفسي وإن فعل فهو مديح كالقدح.
ثمة أمر آخر نتميز به، وليتنا لا نتميز، وهو تمتع المسؤول بقدرة فائقة على (اللف والدوران والمراوغة)، (مخطئ من يعتقد أن الدوران والمراوغة والتجديع والتنطيل هي من سمات المفحط ومهاراته)، فلدينا من ينافس المفحط في إجادة التفحيط بالمسؤولية والمراوغة في شأنها فتجد من يقول (هذا موجود حتى في أمريكا ودول أوروبا)، والصحيح أن الهائمين (هوملس) الموجودين في تلك الدول معظمهم من مدمني الكحول إلى حد التسمم (الكحوليك)، ومع ذلك لهم حق إيواء آلي مباشر ولهم مصروف، لكنهم يستغلونه بالخروج وشراء الكحول والاعتماد في الأكل على بقايا ما يتركه الآخرون، أما عندنا فهم مرضى نفسيون لا (سكيرة)، (لله الحمد والمنة ليس لديهم ما يسكرهم)، وليس لديهم ما يعينهم على شرائه لو وجد، وليس لديهم مأوى غير بقايا سيارة خردة أو عشة، والعبقري منهم تجده في حجرة صراف البنك المكيفة، (وهذه بالمناسبة الحسنة الوحيدة لبنوكنا في إسهاماتهم نحو المواطن والتنمية وقد ذهبت لمواطن ليس له رصيد فحاله مكشوفة قبل أرصدته).
أما شبه المسؤول بالمفحط في شأن (التنطيل) فيتمثل في أن كل مسؤول (ينطل) المسؤولية عن الهائمين والنفسيين على زميله.
سبق أن اقترحت إنشاء المركز الوطني للصحة النفسية ليرتبط بالمقام السامي، هذا المقام الذي يعيش هم المواطن ويحس به، وأحمد الله أن بثت لنا «عكاظ»خبر المجلس الأعلى للصحة النفسية.